لم يتأخر ظهور الاستنباط من القرآن الكريم عن وقت نزول القرآن العظيم. فللصحابة -﵃- استنباطاتهم، ومن ذلك:
١ - استنبط علي -﵁-، وابن عباس -﵁- بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (^٤) [البقرة: من الآية ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٥) [الأحقاف: من الآية ١٥] أن المرأة قد تلد لستة أشهر (^٦).
_________________
(١) ص ٣٢. وطريق هذا الاستنباط: الاستدلال بشرع من قبلنا، والاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈. انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٥٩.
(٢) تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٨٥. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٤٥، ١٤٦.
(٣) تفسير سورة البقرة ج ٢/ ص ٦٤. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٤٧.
(٤) وتمامها: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
(٥) وتمامها: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.
(٦) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٢٠٢، وتفسير القرآن العزيز ج ٥/ ص ١٥٤، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٨٣، والدر المنثور ج ١/ ص ٦٨٨، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ١٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٠٤. وراجع تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٣٤.
[ ١٥ ]
قال ابن كثير (^١): (وهو استنباط قوي وصحيح) (^٢).
٢ - استنبط ابن عباس -﵁- من سورة النصر أجل رسول الله -ﷺ- (^٣)، حيث قال: "هو أجل
رسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر -﵁- بقوله: "لا أعلم منها إلا ما تقول" (^٤).
قال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد) (^٥).
ولم يفترق الاستنباط عن تفسير القرآن الكريم، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات، فالاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه) (^٦). فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر، وإلا فإن الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى.
_________________
(١) هو عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، الدمشقي، القرشي، الشافعي، فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقاد، صاحب التصانيف الكثيرة منها: "تفسير القرآن العظيم"، "البداية والنهاية"، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ١١٠ - ١١٢، وشذرات الذهب ج ٦، ص ٢٣١، ٢٣٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٦٢٣.
(٣) وهو استنباط بدلالة الإشارة. انظر مزيد تفصيل لهذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٣٠٢ - ٣٠٥.
(٤) وتمام الحديث: "كان عمر بن الخطاب -﵁- يدني ابن عباس -﵃-، فقال له عبد الرحمن بن عوف -﵁-: إن لنا أبناء مثله؛ فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]؛ فقال: أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه إياه؛ قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم". أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: ٣٤٢٨، ج ٣/ ص ١٣٢٧.
(٥) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٣٥٣.
(٦) التحرير والتنوير ج ١/ ص ١٠.
[ ١٦ ]
وقد كان الحالُ كذلك منذ أوَّلِ نشأةِ علم التفسير وظهوره، ولا تكاد تخرج تفاسير السلف عن هذين الوجهين في الأعم الأغلب. (^١).
ثم إنا نجد أن بعض العلماء أفرد علم الاستنباط في مصنفات مستقلة، مثل:
١ - القصاب (^٢) في كتابه: (نُكت (^٣) القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام).
٢ - … نجم الدين الطوفي (^٤) في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية).
٣ - السيوطي في كتابه: (الإكليل في استنباط التنْزيل). وإن كان جمع فيه بين الاستنباط والتفسير.
ثم توالت المؤلفات. وكما اعتنى المتقدمون بإفراد هذا العلم بالتأليف اعتنى المتأخرون به كذلك، ومن ذلك: (كتاب جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) لعبد القادر بن أحمد بن بدران (^٥).