١ - لابد أن يكون في دلالة الآية على المعنى المستنبط نوع خفاء، ولا يلزم أن يكون الخفاء شديدا، بل الخفاء هنا متفاوت، فقد يكون شديدا فلا يظهر إلا بعد تأمل طويل، وتدبر كثير، وقد يكون أقل من ذلك.
ولذا نجد بعض الاستنباطات قريبة المأخذ تتضح بلا إعمال ذهن، وقد يدق مسلكها ويخفى؛ فتحتاج إلى تفهم وإعمال ذهن (^٢). والمهم هنا التنبه إلى أن قربها لا ينفي كونها استنباطات.
فالمعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكل ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر. وهذا التفاوت في المعاني المستنبطة يستلزم التنبيه على أنه لا يمكن عد الاستنباط معنى للآية على الاستقلال مهما اشتد قربه وظهوره من المعنى المباشر؛ لأنه تابع للمعنى الأصلي، ومترتب عليه، والتفسير شرط في وجوده ولا عكس (^٣).
ويمثل للاستنباط القريب باستنباط تحريم ضرب الوالدين من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.
قال السيوطي (^٤): (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى) (^٥).
_________________
(١) معالم الاستنباط في التفسير ص ٢١.
(٢) انظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٦٥.
(٣) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٤٤. وفيه قال أيضا: باستعراض أيٍّ من الكتب المفردة في الاستنباطات القرآنية يتضح ذلك بلا خفاء؛ فبينما ترى استنباطا على التمام، إذ يتلوه آخر موغلا في الإبهام، ثم يمر بك استنباط في القرب والظهور كأنه المعنى المباشر للفظ، ويتبعه آخر في البعد والخفاء بما لا يكاد يسفر لك عن وجه اتصاله بالآية.
(٤) جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر الأسيوطي، العلامة المشهور في الآفاق، حافظ، مؤرخ، أديب، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، له نحو ستمائة مصنف في عدة فنون منها: "الإتقان في علوم القرآن"، و"الدر المنثور في التفسير المأثور"، و"لباب النقول في أسباب النزول"، ختم القرآن وهو دون ثمان سنوات، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة للهجرة. انظر ترجمته لنفسه في كتابه: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ج ١، ص ١٥٥ - ١٦١، وشذرات الذهب ج ٨، ص ٥١.
(٥) الإكليل ج ٢/ ص ٩١٤،
[ ١٣ ]
وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق) (^١). (^٢).
٢ - لا يشترط في المعنى المستنبط أن يكون خفيا في ذاته، فالخفاء إنما هو في دلالة الآية عليه، أما المعنى المستنبط فقد يكون ظاهرا لكن دلالة الآية عليه خفية.
ويمكن أن يُمثل له بالاستنباط السابق أيضا.
٣ - يمكن تسمية الاستنباط فائدة (^٣). فالفائدة قد تكون استدلالا، أي أن طريق الوصول إليها ظاهر، وقد تكون استنباطا، أي التوصل إليها بطريق خفي. والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الفوائد أعم من الاستنباط، فكل استنباط فائدة.
ويخطئ من يجعل الفوائد أعم من جهة الموضوعات، فيخص موضوع الاستنباط بالفقه دون غيره. والصحيح أن الاستنباط كالفوائد يكون في الفقه، والعقيدة، واللغة، والتربية وغيرها، ولعل هذا وجه آخر لتسمية الاستنباط فائدة.
ويمكن أن يستدل على صحة ذلك بأمور:
الأول: أن الرازي (^٤) سمى بعض الاستنباطات الخفية فوائدا، ومن ذلك: استنباطه أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين من قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨]، قال: (﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وفيه فائدتان: إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] يعني له عسر لا يسر معه …) (^٥).
_________________
(١) أضواء البيان ج ٣/ ص ١١٨.
(٢) انظر هذا الاستنباط برقم: ١٣٢.
(٣) قال د. مساعد الطيار: وقد يكون الاستنباط استنباط حكم فقهي، … أو فائدة علمية. مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٦١.
(٤) هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين الفخر الرازي، القرشي، البكري، المعروف بابن الخطيب الشافعي، من ذرية أبي بكر الصديق -﵁-، مفسر، متكلم، إمام عصره في العلوم العقلية، قال ابن خلكان فيه: "فريد عصره، ونسيج وحده، شهرته تغني عن استقصاء فضائله"، له تصانيف كثيرة منها: "التفسير الكبير"، و"إعجاز القرآن"، توفي سنة ست وستمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ٢١، ص ٥٠٠، ٥٠١، وطبقات المفسرين للسيوطي ج ١، ص ١١٥، ١١٦، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٢١٣ - ٢١٦.
(٥) انظر: التفسير الكبير ج ٢٩/ ص ٣١. وراجع هذا الاستنباط برقم: ٢٠٠.
[ ١٤ ]
الثاني: تسمية الشيخ السعدي بعض الاستنباطات الخفية بالفوائد، ومثال ذلك:
ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي … ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [يوسف: ٤٢]، قال: (ومنها-أي الفوائد-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله، أو قوله، وإخباره) (^١).
الثالث: تسمية الشيخ ابن عثيمين ما يذكره في آخر تفسيره للآية بفوائدها؛ فيذكر فوائد ظاهرة، واستنباطات خفية، وكلها يجمعها اسم فوائد. ومن الاستنباطات التي ذكرها:
ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، قال: (من فوائد الآية … أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء …) (^٢).
وما استنبطه من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، قال: (من فوائد الآية أن الأصل في العبادات أنها توقيفية) (^٣).