لا يمكن القول بأن الاستنباط والتفسير شيء واحد وإن كانت الصلة بينهما كبيرة. فيبقى بين الاستنباط والتفسير أوجه تميز كل واحد منهما، ومن هذه الأوجه:
١) يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.
٢) مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات.
٣) التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.
٤) الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد عُلم. قال الشنقيطي: (فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي -ﷺ-، ثم من الصحابة، والتابعين، وكبار المفسرين) (^٤)، ولا يمكن لأحد ادعاء معرفة جميع ما تحمله الآية من الفوائد والأحكام. (^٥).
تنبيه:
لا يلزم للحكم بصحة الاستنباط أن يصح مع جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية، ففي بعض المواطن يصح الاستنباط على أحد المعاني الراجحة في تفسير الآية (^٦).
_________________
(١) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢ و٤٤.
(٢) هو أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح القرطبى، الخزرجي، الأنصاري، المالكي، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته، وكثرة إطلاعه، ووفور فضله، منها: تفسيره "الجامع لأحكام القرآن"، و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٢، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٦٥، ٦٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٦٨، ٦٩.
(٤) أضواء البيان ج ٥/ ص ٦٤.
(٥) انظر هذه الأوجه في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٥٨ - ٦٠.
(٦) مثاله: استنباط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] أن فيها الإرشاد إلى ترك الإسراف. راجع هذا التفصيل في موضعه من هذا البحث.
[ ٢١ ]
وفي مواطن أخرى يصح الاستنباط على جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية (^١).