نشأ بصنعاء في بيئة ميسورة الحال، حيث كان أبوه من العلماء الكبار، وكان يشغل منصب قاضي صنعاء؛ فتربى في بيئة تعينه على طلب العلم، بيئة علمية تهيئه لأن يكون عالما نابغا (^٧). وقد تكفل والده بأمور معيشته لئلا يشتغل بغير طلب العلم. قال الشوكاني عن والده: (ولقد بلغ معي إلى حد من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم، والقيام بما أحتاج إليه مبلغا عظيما بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب، فجزاه الله خيرا، وكافأه بالحسنى) (^٨).
قرأ القرآن وجوَّده على جماعة من مشايخ القراء بصنعاء، وفي أثناء ذلك كان قد حفظ عدة مختصرات في الفقه، والنحو، والعروض، وآداب البحث، وعلوم اللغة. وطالعَ عدة كتب من كتب التاريخ والأدب.
_________________
(١) صنعاء منسوبة إلى جودة الصنعة في ذاتها كقولهم امرأة حسناء، وصنعاء موضعان: أحدهما ظاهرا وهي العظمى في اليمن بينها وبين عدن ثمانية وستون ميلا، والموضع الثاني قرية بالغوطة من دمشق. انظر: معجم البلدان ج ٣/ ص ٤٢٥، ٤٢٦.
(٢) أي جنوب شوكان؛ لأن مصطلح عدني يطلق على اتجاه الجنوب، نسبة إلى عدن عاصمة الشطر الجنوبي. انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص ١٥٠.
(٣) شَوْكان بالفتح ثم السكون وكاف وبعد الألف نون قرية باليمن من ناحية ذمار، قال امروء القيس: أفلا ترى أظعانهن بعاقل … كالنخل من شوكان حين صرام. انظر: معجم البلدان ج ٣/ ص ٣٧٣.
(٤) قاله الشوكاني في ترجمته لوالده في البدر الطالع ج ٢/ ٥١٨.
(٥) انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص ١٥١.
(٦) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٦٨.
(٧) انظر: مقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص ١٥.
(٨) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٥٢٤.
[ ٢٣ ]
ثم شرع في طلب العلم فدرس على والده، وعلى البارزين من العلماء في عصره في مختلف العلوم: الدينية، والعقلية، والفلكية، والرياضية، إذ وجد بيئة علمية زاخرة بالعلماء والأدباء. وظل كما يقول: يأخذ عن شيوخه حتى استوفى كل ما عندهم من كتب، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم. وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة، فكان عند إذنهما (^١).
وكثيرا ما كان يقرأ على مشايخه، فإذا فرغ من كتاب قراءةً أخذه عنه تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في أول الطلب، بل ربما اجتمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرُغ من قراءة الكتاب على شيخه؛ ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه (^٢).
وكان في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها، بل ترد عليه الفتاوى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذاك أحياء. وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك (^٣).
وفي الجملة، فقد درس دراسة واسعة، واطلع اطلاعًا يندر أن يحيط به غيره، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب، أو استجازه من مراجع. ومن يرجع إلى كتبه يدرك مدى ما كان عليه هذا الرجل من تنوّع في الثقافة، واتساع فيها. وقد برع في كل ذلك تقريبا، وصنَّف ودرَّس فيه. ولا غرو أنْ رأينا بعض كُتَّاب التراجم (^٤) يعرِّف به فيقول: مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، نحوي، منطقي، متكلم، حكيم. (^٥).