١) ما ذكره البقاعي من مناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] لما قبله، فإن فيه تكلفا يأباه الشوكاني؛ ولذا استنبط مناسبة أخرى هي أقرب للصواب (^٣).
٢) مناسبة تخصيص الطير، والعدد أربعة بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال الشوكاني: (وخص الطير بذلك قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل: إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، وعللا لما يرد في كلامه. وهكذا قيل: ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل: إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية فأعطي أربعا على قدر الربوبية، وقيل: إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان) (^٤).
_________________
(١) فتح القدير ج ١/ ص ٧٢، ٧٣.
(٢) انظر: إمعان النظر في نظام الآي والسور لمحمد سبحاني ص ٣٧ و٣٩.
(٣) انظر قول البقاعي وموقف الشوكاني منه عند الاستنباط رقم: ١٨.
(٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٨٢.
[ ٤٥ ]
٣) مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] فإن العلماء أطالوا فيها واختصر الشوكاني، فقال -﵀-: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (^١). فهذا مثال آخر على عدم التكلف في المناسبة.
ولا يُعترض على هذا بأنه ربط بين موضوعين مختلفين؛ لأن ربطه لا تكلف فيه.
٤) مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٧ - ٩٨]، قال الشوكاني -﵀-: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢) [النحل: من الآية ٨٩]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ) (^٣).
_________________
(١) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٠. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٦٢.
(٢) وتمامها: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ … أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.
(٣) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٢٨.
[ ٤٦ ]
والقول الثاني هو قول القرطبي (^١). ولعل مخالفة الشوكاني القرطبي في ذكر المناسبة هنا مع إفادته كثيرا من تفسيره ما يدل على أن بعض المناسبات يأباها الشوكاني. ولعل هذا يصلح لأن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن القول الثاني فيه ربط للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمال لمناسبتها للآية المتصلة بها.
بقي توجيه كلام الشوكاني المتقدم، والذي ظاهره أنه ينفي المناسبة، فالباحثة إيمان الصميل ذكرت أن الشوكاني بالغ في رد أمر ثم لم يستطع الانفكاك عنه، فظهر ذلك في تطبيقاته لعلم المناسبات في تفسيره (^٢).
والأولى أن يحمل كلامه على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب؛ لأن في كلامه ما يدل على أنه ينفي تطلب المناسبة بين الموضوعات المختلفة، والتي يصعب الوصول إلى معرفة وجه الربط بينها. أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.
والقول بالمناسبة بين آيات مختلفة الموضوع فيه تكلف لا يليق بالعالم، قال ابن عاشور: الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب، وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة … فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط، وتفرع مناسبة (^٣).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٦.
(٢) انظر: علوم القرآن عند الشوكاني، رسالة ماجستير، ص ١٩٧.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٤٤٣، ٤٤٤.
[ ٤٧ ]
• الباب الأول: