قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (١٨٥)﴾ (البقرة: ١٨٥).
٣٦ - قال السعدي - ﵀ -: (ولما كان النسخ (^١) للتخيير بين الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر (^٢)، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضًا منسوخة) ا. هـ (^٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين مناسبة تكرار قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وأنه دفع توهم النسخ لأنه ذكرت الآية التي كان الصوم فيها على التخيير ثم نسخ التخيير فكان هذا موهمًا لنسخ الرخصة للمريض والمسافر فأعاد ذكر الرخصة لدفع هذا التوهم.
_________________
(١) وهذا بناء على أن الآية الثانية ناسخة للآية الأولى وهو الصحيح كما نص عليه جمع من المفسرين كما ذكرتهم في الدراسة، وعلى القول بعدم النسخ أورد ابن عاشور مناسبة التكرار فقال: (فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقًا بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرُ فَلْيَصُمْهُ﴾ إذا كان شهد بمعنى تحقق وعَلِم، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة ولزيادة بيان معنى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرُ فَلْيَصُمْهُ﴾) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٧٤).
(٢) أراد بذلك إعادة قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، في الآيتين ١٨٤ و١٨٥ من سورة البقرة.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٨٦).
[ ١٩٤ ]
الموافقون:
وافق السعدي على ذلك جمع من المفسرين، قال الخازن: (﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرُ فَلْيَصُمْهُ﴾
فلو اقتصر على هذا لاحتمال أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه) (^١).
وقال البقاعي: (ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن نسخه فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ أي سواء شهده أولا ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي سواء كان مريضًا أو صحيحًا وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة ﴿فَعِدَّةٌ﴾) (^٢).
وممن قال به أيضًا من المفسرين: البغوي، وأبو المظفر السمعاني، والماوردي، والواحدي، وابن الجوزي، وجلال الدين المحلي، وحقي، وصديق حسن خان، والعثيمين (^٣).
المخالفون:
وقال بعض المفسرين: إن مناسبة التكرار هو التخصيص لئلا يفهم العموم في وجوب الصوم فالمريض والمسافر ممن يشهد الشهر فأعيد لفظ الرخصة لتخصيص العموم الوارد في لفظ الإيجاب (^٤).
_________________
(١) انظر: لباب التأويل (١/ ١١٢).
(٢) انظر: نظم الدرر (٣/ ٦٠ - ٦١).
(٣) انظر: معالم التنزيل (١/ ١٠٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/ ١٨٤)، والنكت والعيون (١/ ٢٤١)، والوجيز (١/ ١٥١)، وزادالمسير (١٠٧)، وتفسير الجلالين (٣٧)، وروح البيان (١/ ٢٩٣)، وفتح البيان (١/ ٣٦٩)، وتفسير القرآن للعثيمين (٢/ ٢٣٤).
(٤) انظر: أنوار التنزيل (١/ ١٠٦)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٠)، وروح المعاني (٢/ ٦٢)، وجواهر الأفكار (٥٠٤).
[ ١٩٥ ]
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من المفسرين هو الأصح في وجه هذا الاستنباط لأن التخصيص يمكن أن يفهم من أدلة أخرى لو كان هو المراد. والله أعلم.