قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤).
٣٥ - قال السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يدل على أن المعتبر مجرد العدة، لا مقدارها في الطول والقصر، والحر والبرد، ولا وجوب الفور وعدمه ولا ترتيب ولا تفريق). ا. هـ (^٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المعتبر هو مجرد القضاء دون النظر
_________________
(١) انظر: أنوار التنزيل (١/ ١٠٣).
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم (١/ ١٩٥)، والتحرير والتنوير (٢/ ١٤٢).
(٣) انظر: حاشية زاده على تفسير البيضاوي (٢/ ٤٣٦).
(٤) انظر: تفسير السعدي (٨٦)، والمواهب الربانية للسعدي (٥).
[ ١٩١ ]
إلى اعتبارات أخرى كطول اليوم وقصره، وبرودته وحره، وترتيبه وتفريقه، وكذلك قضاؤه على الفور أوالتراخي.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال ابن عرفة: (وذكر ﴿أَيَّامٍ﴾ إشارة إلى أنه يجزي فيها الصوم في النهار القصير قضاء عنه في النهّار الطويل وإنما المطلوب عدة أيام (كعدد) الأيام الأول لا كقدرها وصفتها). (^١)
وقال الألوسي: (واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعًا ومتفرقًا وأنه ليس على الفور خلافًا لداود، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أيامًا معدودة فلو كان تامًا لم يجزه شهر
ناقص أو ناقصًا لم يلزمه شهر كامل خلافًا لمن خالف في الصورتين) (^٢)، وممن قال به أيضًا: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والزمخشري، والرازي، أبوحيان، والسيوطي، والشوكاني. (^٣)
المخالفون:
ذهب الحسن بن صالح (^٤) إلى أنه يقضي شهرًا بشهر من غير مراعاة
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٢١٩).
(٢) انظر: روح المعاني (٢/ ٨٥).
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٦٧)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٦٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨٨)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٨)، والكشاف (١١٢)، والتفسير الكبير (٥/ ٦٧)، والبحر المحيط (٢/ ٤١)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٤)، وفتح القدير (١/ ٢٢٦).
(٤) هو: الحسن بن صالح ابن صالح بن حي، واسم حي: حيان بن شفي بن هني بن رافع، الإمام الكبير، أحد الأعلام، أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي، الفقيه العابد، أخو الإمام علي بن صالح، قلت: هو من أئمة الاسلام، لولا تلبسه ببدعة، وهي التشيع، قال وكيع: ولد سنة مئة، وقال البخاري: قال أبو نعيم: مات الحسن بن صالح سنة تسع وستين ومئة. انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٦١) و(٧/ ٣٧١)، والكاشف (١/ ٣٢٦).
[ ١٩٢ ]
عدد الأيام، لكن أجاب عنه إلكيا الهراسي فقال: وهذا بعيد لأنه قال ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقل (فشهر من أيام أخر)، وقوله: "فعدة" يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه ولاشك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده، وكذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار العدد (^١).
وذهب داود الظاهري إلى وجوب التتابع حيث قال: يجب عليه القضاء ثاني شوّال، فلو لم يصمه ثم مات أثِمَ (^٢). ولكن أجاب أبوحيان (^٣) عن ذلك فقال: وهو محجوج بظاهر الآية، وبما ثبت في الصحيح عن عائشة قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه، إلاَّ في شعبان لشغل من رسول الله ﷺ، أو برسول الله ﷺ (^٤).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح ويؤيده لفظ الآية المطلق فمن قيده فقد أوجب صفة زائدة لا يدل عليها اللفظ، قال السيوطي: واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعًا ومتفرقًا،. . . وعلى أنه يجزئ صوم يوم قصير مكان يوم طويل (^٥).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٧٠).
(٢) البحر المحيط (٢/ ٤١).
(٣) البحر المحيط (٢/ ٤١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب متى يقضى قضاء رمضان، ح (١٩٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب جواز تأخير قضاء رمضان، ح (١١٤٦).
(٥) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٤ - ٣٤٦).
[ ١٩٣ ]