قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ (البقرة: ١٩٦).
٤٥ - قال السعدي - ﵀ -: (يستدل بقوله [تعالى]: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ على. . . وجوب الحج والعمرة (^٢)، وفرضيتهما) ا. هـ (^٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب العمرة، ووجه الاستنباط بدلالة
_________________
(١) انظر: روح المعاني (٢/ ٧٥).
(٢) اتَّفقت الأُمَّة على وجوب الحج، على من استطاع إليه سبيلًا، وأما وجوب العمرة ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين: أحدهما وجوب العمرة وهو مروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، ومسروق، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين، والشعبي، وابن جبير، وأبي بردة، وعبد الله بن شدّاد؛ ومن علماء الأمصار: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وابن حميم، من المالكيين. وذهب جماعة من الصحابة إلى أن العمرة سنة، منهم: ابن مسعود، وجابر، ومن التابعين: النخعي، ومن علماء الأمصار: مالك، وأبو حنيفة، إلاَّ أنه إذا شرع فيها عندهما وجب إتمامها. وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة القولين. انظر: البحر المحيط (٢/ ٨١)، واللباب في علوم الكتاب (٣/ ٣٥٩)، والمغني لابن قدامة (٥/ ١٣).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٩٠).
[ ٢١١ ]
الاقتران، حيث قرن الله العمرة بالحج، والحج واجب فتكون العمرة واجبة كذلك.
الموافقون:
وافق السعدي في استنباط حكم وجوب العمرة من هذه الآية بعض المفسرين قال القرطبي: (في هذه دليل على وجوب العمرة، لأن الله تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. . .) (^١)، وقال البيضاوي: (قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى، وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ: ﴿وَأَقِيمُوا الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ (^٢» (^٣)، وممن قال بذلك أيضًا: أبوالمظفر السمعاني، وابن الفرس، والرازي، وابن عادل الحنبلي، كما أيد ذلك ابن قدامة (^٤).
المخالفون:
وخالف بعض المفسرين فقالوا إن الآية لا حجة فيها على وجوب العمرة، قال ابن العربي: (وليس في هذه الآية حجة للوجوب؛ لأن الله إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في الابتداء. . . وقد جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء) (^٥)، وممن قال بذلك أيضًا: الطبري،
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٦).
(٢) قراءة: ابن عباس، وابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، انظر: جامع البيان (٢/ ٢١٣)، ومعجم القراءات للخطيب (١/ ٢٦٧). قال ابن حجر- بعد ذكره هذه القراءة ومن قرأ بها: (أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم) انظر: فتح الباري (٣/ ٤٤٣).
(٣) انظر: أنوار التنزيل (١/ ١٠٩).
(٤) انظر: تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني (١/ ١٩٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤)، والتفسير الكبير (٥/ ١١٩)، والمغني لابن قدامة (٥/ ١٣).
(٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٣٣).
[ ٢١٢ ]
والجصاص، والنسفي، وشهاب الدين الخفاجي (^١)، والألوسي، وابن عاشور (^٢).
النتيجة:
والقول بأن هذه الآية لا تدل على وجوب العمرة هو الأقوى؛ لأن غاية ما تدل عليه وجوب الإتمام عند الابتداء، أما دلالة الاقتران فهي دالة على وجوب الإتمام بعد الابتداء فقط، أما دلالتها على أصل الوجوب لاقترانها بالحج فضعيف، قال الزرقاني: (وتعقب الأول بأنه لا يلزم من الاقتران بالحج وجوب العمرة فهو استدلال ضعيف لضعف دلالة الاقتران) (^٣).
وأما قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) فلا دلالة فيها على الوجوب لأن لفظ الإقامة يدل على أن المراد إقامة أفعالهما على الوجه المطلوب فليس صريحًا في الوجوب قال أبو السعود: (بل الحق أن تلك القراءة أيضا محمولة على المشهورة ناطقة بوجوب إقامة أفعالهما كما ينبغي من غير تعرض لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر أفعالهما المعروفة شرعًا لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم بشيء منها) (^٤).
_________________
(١) هو: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر، الخفاجي المصري: قاضي القضاة. نسبته إلى قبيلة خفاجة، ولد ونشأ بمصر، ورحل إلى بلاد الروم، ولد عام ٩٧٧ هـ، وتوفي عام ١٠٦٩ هـ، من أشهر كتبه شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل، وخبايا الزوايا بما في الرجال من البقايا، وعناية القاضي وكفاية الراضي حاشية على تفسير البيضاوي. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٣٨).
(٢) انظر: جامع البيان (٢/ ٢١٧ - ٢١٩)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٢٠)، ومدارك التنزيل (١٠٣)، وحاشية الشهاب على البيضاوي (١/ ٤٨٤)، وروح المعاني (٢/ ٧٨)، والتحرير والتنوير (٢/ ٢٢٠).
(٣) انظر: شرح الزرقاني على موطأ مالك (٢/ ٣٦٢).
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٢٠٥).
[ ٢١٣ ]
وأشار بعض المفسرين إلى وجه آخر لرد دلالة هذه القراءة وقال إن هذه القراءة شاذة فلا يعتمد عليها في الحكم، قال ابن عاشور: (وقراءة: "وأقيموا" لشذوذها لا تكون داعيًا للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه) (^١).
وما ذكره أبو السعود من الجواب عن هذه القراءة هو الأوجه، حيث إن القراءة ثابتة، وأسانيدها صحيحة، كما قال ذلك ابن حجر العسقلاني عند كلامه على هذه القراءة وتقدمت الإشارة إليه.