قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩)﴾ (البقرة: ١٨٩).
٤٢ - قال السعدي - ﵀ -: (قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩)﴾. . . وخص بالذكر الحج لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة) ا. هـ (^١).
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية معنى تخصيص الحج بالذكر مع أنه داخل في عموم المواقيت، وبين أن السبب كثرة ما يترتب عليه من الأوقات الخاصة والعامة يريد بذلك وقوعه في أوقات مخصوصة أدءًا أوقضاءًا، وكذلك مايترتب عليه من أوقات الديون المؤجلة، ومدة الإجارات ونحو ذلك.
وقد قال بنحو ذلك بعض المفسرين، قال حقي: (فإن قلت لما كانت الأهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لأنه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث انه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين) (^٢)، وقال الشوكاني: (وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسيء، عن وقته، ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه، أو أخطأ وقتها، أو وقت بعضها) (^٣) وممن قال بذلك أيضًا: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي،
_________________
(١) انظر: القواعد الحسان (١٠٨).
(٢) انظر: روح البيان (١/ ٣٠٤).
(٣) انظر: فتح القدير (١/ ٢٣٧).
[ ٢٠٦ ]
والهرري (^١).
بينما ذهب بعض المفسرين إلى وجه آخر، وقالوا إن سبب التخصيص هو أن الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة قال أبوحيان: (ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، أفرد بالذكر) (^٢)، وممن قال بذلك أيضًا ابن عادل الحنبلي (^٣).
وذهب بعض المفسرين إلى وجه آخر وهو أن مناسبة التخصيص بيان أن الحج مقصور في أشهره المعروفة لا يجوز نقله عنها كما كانت العرب تفعل ذلك، قال القفال (^٤): (إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء) (^٥)، وممن قال بذلك أيضًا: الرازي، والخازن، وابن العربي (^٦).
النتيجة:
أن فائدة تخصيص الحج بالذكر هو لما يترتب عليه من الأوقات في أداءه وقضاءه وكذلك ما يترتب عليه من معاملات الناس حسب اتفاقهم،
_________________
(١) انظر: وأنوار التنزيل (١/ ١٠٨)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٣)، وروح المعاني (٢/ ٧١)، وتفسير حدائق الروح والريحان (٣/ ١٨٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٠).
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٣٣٤).
(٤) هو: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الإمام الشَّاشي الفقيه الشافعي المعروف بالقفال الكبير، كان إمام عصره، فقيهًا، محدثًا، مفسرًا، أصوليًا، لغويًا، شاعرًا.، لم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله في وقته.، صنف في التفسير والأصول والفقه، ومن تصانيفه: دلائل النبوة، ومحاسن الشريعة، مولده سنة إحدى وتسعين ومائتين ومات سنة خمس وستين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣)، وطبقات المفسرين (٢/ ١٩٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٠)، والتقسير الكبير (٥/ ١٠٦).
(٦) انظر: التفسير الكبير (٥/ ١٠٦)، ولباب التأويل (١/ ١٢٠)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١١٢).
[ ٢٠٧ ]
وكذلك لبيان أن الحج مفروض في أشهر مخصوصة لا يجوز نقله عنها كما كانت العرب تفعل ذلك، قال القرطبي: (أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته، بخلاف مارأته العرب؛ فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور؛ فأبطل الله قولهم وفعلهم) (^١)
وأما القول بأن وجه ذلك أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة فهو وجه ضعيف؛ والسبب هو أن هناك من العبادات غيره لا تعرف إلا بالأهلة كذلك فلا يظهر حينئذ فائدة تخصيص الحج، قال الرازي: (واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة،. . . وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة) (^٢)