قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (البقرة: ٢١٧).
٤٩ - قال السعدي - ﵀ -: (ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرًا، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾، ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام (^٢)، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته) ا. هـ (^٣).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٦٠)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ١٢٢)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٩)، والبحر المحيط (٢/ ١٢٣)، والتحرير والتنوير (٢/ ٢٦٦)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٢/ ٤٤٤).
(٢) وقد اختلف العلماء في المرتد عن الإسلام إذا تاب من ردته ورجع إلى الإسلام، فعند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام وتاب لم ترجع إليه أعماله التي عملها قبل الارتداد فإن كان عليه نذور أو أيمان لم يكن عليه شيء منها بعد عودته إلى الإسلام، وإن كان حج قبل أن يرتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحج ولا يؤخذ بما كان عليه زمن الارتداد إلاّ ما لو فعله في الكفر أخذ به. وقال الشافعي إذا عاد المرتد إلى الإسلام عادت إليه أعماله كلها ما له وما عليه. انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٣٣٣)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٦٥).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٩٨).
[ ٢١٨ ]
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام أنه يرجع إليه عمله الذي عمله قبل الردة، ووجه ذلك مفهوم المخالفة- مفهوم الشرط- حيث إنه قيّد حبوط العمل بالموت على الكفر فدل مفهوم المخالفة أن من عاد بعد ردته إلى الإسلام قبل الموت رجعت إليه أعماله.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (^١).
وقال جلال الدين المحلي: (والتقييد بالموت عليها يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلًا) (^٢)، وممن قال به أيضًا من المفسرين: ابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبوحيان، والخازن، والسيوطي، وحقي، وصديق حسن خان، والعثيمين (^٣).
المخالفون:
ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية لا تدل على أن إحباط العمل مرتبط بالوفاة على الردة، بل مجرد الردة تحبط العمل وقالوا إن ذكر الموافاة هنا؛ لأن الله علق عليها الخلود في النار فمن مات كافرًا خلده الله في النار، وأما العمل فيحبط بمجرد الردة وحينئذ فلا وجود لهذا المفهوم، قال ابن عاشور في توضيح حجة هؤلاء: (يريد أن بين الشرطين والجوابين
_________________
(١) انظر: فتح القدير (١/ ٢٧٣).
(٢) انظر: تفسير الجلالين (٤٣).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٧٧)، والتفسير الكبير (٦/ ٣٢)، وأنوار التنزيل (١/ ١١٨)، والبحر المحيط (٢/ ١٥٩)، ولباب التأويل (١/ ١٤٧)، والإكليل (١/ ٣٩٣)، وروح البيان (١/ ٣٣٥)، وفتح البيان (١/ ٤٣٧)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٦١).
[ ٢١٩ ]
هنا توزيعًا فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ جواب لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، ولعل في إعادة ﴿أُولَئِكَ﴾ إيذانًا بأنه جواب ثان. . .) (^١)، وممن قال بذلك ابن العربي، والنسفي، والألوسي (^٢).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في مفهوم هذا الشرط وهو أن إحباط العمل مشروط بالموت على الردة، وأما ما أجاب به المخالفون فلا حجة فيه لأنه تحكم لا حجة له قوية، قال أبوحيان: (وهذان شرطان أحدهما معطوف على الآخر بالفاء المشعرة بتعقيب الموت على الكفر بعد الردة واتصاله بها، ورتب عليه حبوط العمل في الدنيا والآخرة. . . وظاهر هذا الشرط والجزاء ترتب حبوط العمل على الموافاة على الكفر، لا على مجرد الارتداد) (^٣)
ومما يؤيد هذا الاستنباط أنه لو جعلت مجرد الردة مؤثرًا في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلًا في شيء من الأوقات (^٤)
كما أن في الأخذ بهذا ترغيبًا في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد، بينما في ضده عكس ذلك (^٥).
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٣٣٤).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٦٥)، ومدراك التنزيل (١١٢)، وروح المعاني (٢/ ١١٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٥٩).
(٤) انظر: التفسير الكبير (٦/ ٣٢).
(٥) انظر: إرشاد العقل السليم على مزايا الكتاب الكريم (١/ ٢١٧).
[ ٢٢٠ ]