استنباطات السعدي كان فيها اختصار في اللفظ، كما أنه لم يصرح بمن يؤيده في الاستنباط إلا في أحوال يسيرة نادرة، مما جعل معرفة من تأثر بهم السعدي في الاستنباط فيه صعوبة، ولكن من خلال دراسة استنباطات السعدي، ومقارنتها باستنباطات المفسرين، ظهر أن السعدي تأثر في استنباطاته بثلاثة من المفسرين، وهم على الترتيب أي الأكثر تأثيرًا في السعدي: ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، كما أنه تأثر باستنباطات الصحابة والتابعين ولكن تأثره بهم يعد قليلًا، وهذه بعض الأمثلة التي توضح مدى تأثره بهؤلاء.
" أمثلة توضح تأثر السعدي ببعض استنباطات الصحابة والتابعين:
وهذه الأمثلة يتضح التأثير فيها من خلال الدراسة، فمن ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها» ا. هـ (^١)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٠٤) و(٧٨١)، وفتح الرحيم للسعدي (١٥٧) الاستنباط رقم: ٦٠.
[ ١٠٦ ]
وقول السعدي - ﵀ -: (ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر الله المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الله، وتصل إلى حيث أراد الله من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه). ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح. فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له، وإذا كان الطلاق الذي هو فرقة تامة، وتحريم تام، لا يقع قبل النكاح، فالتحريم الناقص، لظهار، أو إيلاء ونحوه، من باب أولى وأحرى، أن لا يقع قبل النكاح، كما هو أصح قَوْلي العلماء). ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن أجل رسول الله ﷺ قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل أقسم الله به. وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، وغير ذلك، فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه). ا. هـ (^٣)
" أمثلة توضح تأثر السعدي بابن القيم:
هذه الأمثلة منها ما هو واضح، ومنها ما لا يتضح إلا من خلال الدراسة، فمن هذه الأمثلة:
قول السعدي - ﵀ -: (احتجاج الفقهاء على أنه لا يجب على
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٢٨٨) الاستنباط رقم: ٢٢٥.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٦٦٨) الاستنباط رقم: ٣٧٨.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٩٣٦) الاستنباط رقم: ٤٥٣.
[ ١٠٧ ]
الزوج أن يطأ زوجته إلا في كل ثلث سنة مرة بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فيه نظر، وإنما فيها الدلالة على أن للمولي خاصة هذه المدة لأجل إيلائه، وأما غير المولي فمفهومها يدل على خلاف ذلك، وأنه ليس له أربعة أشهر وإنما عليه ذلك بالمعروف) ا. هـ (^١)
وقول السعدي -﵀-: (وفي الإتيان بـ "كسب " في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ "اكتسب "في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانعُ الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.
قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": (وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار
_________________
(١) انظر: المواهب الربانية للسعدي (١٧) الاستنباط رقم: ٥٤.
(٢) انظر: تفسير السعدي (١٢٠) الاستنباط رقم: ٩٤.
[ ١٠٨ ]
مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين) (^١» ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وفيه دليل، على أن الروح جسم، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ). ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (وفي هذا سر لطيف، حيث قرن ﴿الْوَدُودُ﴾ بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، كما قاله بعض الغالطين). ا. هـ (^٤)
" أمثلة توضح تأثر السعدي بشيخ الإسلام ابن تيمية:
هذه الأمثلة منها ما هو واضح، ومنها ما لا يتضح إلا من خلال الدراسة، فمن هذه الأمثلة:
قول السعدي - ﵀ -: (وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.) ا. هـ (^٥)
وقول السعدي - ﵀ -: (ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل
_________________
(١) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم (١٨٠).
(٢) انظر: تفسير السعدي (١٦٩) الاستنباط رقم: ١٣٠.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٢٦٥) و(٧٢٦) الاستنباط رقم: ٢١١.
(٤) انظر: تفسير السعدي (٩١٩)، وفتح الرحيم للسعدي (٥٦) الاستنباط رقم: ٤٤٧، وانظر كذلك: ٨٩ و١٣٣ و٢٢٦ و٤٠٦ و٤٢٩ و٤٤٢.
(٥) انظر: تفسير السعدي (٤١)، و(٨٣) الاستنباط رقم: ٥.
[ ١٠٩ ]
والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: (ذوا عدل منكم أوءاخران من غيركم) أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-:: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين.
ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة). ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (ودل قوله: ﴿شَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ٢]، أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين، فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية). ا. هـ (^٤)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٧١) الاستنباط رقم: ١٤١.
(٢) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٥٧٦) الاستنباط رقم: ٢٠٣.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٤٠٨)، وفوائد مستنبط من قصة يوسف للسعدي (١١٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٧٦) الاستنباط رقم: ٢٩٠.
(٤) انظر: تفسير السعدي (٩٢٩) الاستنباط رقم: ٤٥١، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ١٨٥ و٢٧٩ و٣٤٥ و٤١٧ و٤٢٧.
[ ١١٠ ]
" أمثلة توضح تأثر السعدي بابن كثير:
تأثر السعدي ابن كثير في بعض استنباطاته، وإن لم يصرح بذلك إلا أنه يتضح من خلال الدراسة، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ - (. . . كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ [البقرة: ٣٨]) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه) ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداءُ بالنبي ﷺ في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق؛ إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم) ا. هـ (^٤)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٤١)، و(٨٣) الاستنباط رقم: ٥.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٥٠) الاستنباط رقم: ١٣.
(٣) انظر: تفسير السعدي (١٣٢) الاستنباط رقم: ١٠٠.
(٤) انظر: تفسير السعدي (١٧٣)، وفتح الرحيم للسعدي (١٥١) الاستنباط رقم: ١٤٣.
[ ١١١ ]
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي ﷺ الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى). ا. هـ (^١)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٣٥٢) الاستنباط رقم: ٢٥٤، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ٦٤ و٩٦ و١٢١ و١٧٧ و٢٠٢.
[ ١١٢ ]