النصوص خفية المعنى: هي التي تحتاج إلى تفسير وبيان المعنى المراد منها، وقد يكون في تفسيرها خلاف ينبني عليه بطلان الاستنباط فيما لو ترجح المعنى الآخر، وهذا النوع من النصوص قد استنبط السعدي منها استنباطات بناء على ترجيحه لأحد المعاني التي يحتملها النص المفسر، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: لا ينال الإمامة في الدين (^١)، من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة،
_________________
(١) وفي العهد هاهنا سبعة أقوال. أحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. والرابع: الدين، قاله أبو العالية. والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. رجح السعدي أن المراد بالعهد هنا الإمامة وعليه بنى هذا الاستنباط واختار ذلك جمع من المفسرين منهم: أبي حيان، والشوكاني، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وغيرهم.
[ ٩٧ ]
فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها). ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (وقوله وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه (^٢)،
فلهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي) ا. هـ (^٣).
وقول السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة (^٤)، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، فيعطي منهم كل عامل أجر
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٦٥) الاستنباط رقم: ٢١.
(٢) بناء على أن معنى الآية فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقيل في الآية معان أخرى: منها: أن معنى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] بمعنى فمن فضل له فضل وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله ﷺ قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي= =ومنها: أن هذا محمول على تأويل عليّ (﵁) في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية. انظر: النكت والعيون (١/ ٢٢٩ و٢٣٠).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٨٤) الاستنباط رقم: ٣٣.
(٤) بناء على أن معنى التوفية هنا إكمال ما أعطاهم من الثواب الذي ابتدأه في الدنيا، وهذا المعنى الذي اختاره السعدي، بينما ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى المراد للتوفية هنا هو: أن تكون كاملة موفرة، قال الطبري: ("فيوفيهم أجورَهم" فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه) انظر: جامع البيان (٣/ ٢٩٢).
[ ٩٨ ]
عمله ويزيدهم من فضله وكرمه) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق: من تسلط الجبابرة عليه. وهذا أمر بالطواف، خصوصا بعد الأمر بالمناسك عموما، لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه.
ولعله -والله أعلم أيضا- لفائدة أخرى، وهو: أن الطواف مشروع كل وقت، وسواء كان تابعا لنسك، أم مستقلا بنفسه). ا. هـ (^٢)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٣٢) الاستنباط رقم: ١٠٠.
(٢) انظر: تفسيرالسعدي (٥٣٧)، وفتح الرحيم للسعدي (١٣٤) الاستنباط رقم: ٣٢٩، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ١١٥ و١٦٥ و٣٣٦ و٣٤١.
[ ٩٩ ]