لقد تميز السعدي في تفسيره للقرآن الكريم بالاهتمام بالاستنباط، والعناية به، فلا أدل على ذلك من تأليفه كتب يغلب عليها الاستنباط، ككتابه فوائد مستنبطة من قصة يوسف، والمواهب الربانية من الآيات القرآنية، وفتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن، وكذلك الحس الاستنباطي الذي وهبه الله للسعدي؛ إذ يتبين عند وقوفه للاستنباط في مواطن قد يغفل عنها الكثير، وكذلك سلوك السعدي للطرق الصحيحة للاستنباط جعل من استنباطاته مثلًا، ثم مع الدربة وطول الزمن أصبح السعدي في الاستنباط من القرآن ممن يشار إليهم بالبنان، ولو قلنا أن أميز ما في تفسير السعدي للقرآن استنباطاته لم يكن ذلك ببعيد، فتخصص السعدي في الاستنباط جعل لاستنباطاته مميزات.
ومن أهم المميزات التي تميزت بها استنباطات السعدي ما يلي:
أولًا: سلامة استنباطات السعدي من المخالفات العقدية، وهذه ميزة مهمة؛ إذ بعض المفسرين المهتمين بالاستنباط، قد وظف استنباطاته في خدمة معتقده الباطل، فجعل استنباطاته مطية لهواه ومركبًا لتأويلاته الباطلة.
ثانيًا: ظهور القوة الفقهية في استنباطات السعدي، وذلك من خلال
[ ١١٧ ]
قوة مأخذ الاستنباطات، وشمولها الفقهي، فلم تتركز في باب واحد، وإنما في أغلب أبواب الفقه.
ثالثًا: الدقة في الاستنباط؛ إذ تأتي بعض استنباطات السعدي لتبين مدى الدقة المتناهية في أخذ هذا الاستنباط من هذه الآية، ولذا تراه في آيات الأحكام يستنبط أمورًا تربوية، وفي القصص القرآني يستنبط قواعد فقهية، وفي آيات الأخلاق يستنبط أحكامًا فقهية.
رابعًا: سهولة العبارة وجزالتها، فلم يستعمل الغريب، ولم تكن العبارة عادية في مستواها، وإنما عبارة يفهما المبتدئ، ويعرف دقتها المنتهي.
خامسًا: التنوع في الاستنباطات، فلم تكن استنباطات السعدي في فن واحد فقط، وإنما تعرض لعدة فنون فاستنبط لها من القرآن أدلة، بعيدة المنزع على غير قوي الاستنباط.
سادسًا: التفرد ببعض الاستنباطات عن باقي المفسرين، فمن خلال دراسة استنباطات السعدي، تبين أنه هناك بعض الاستنباطات لم يقل بها غيره، وهذا يظهر جليًا في استنباطاته من القصص القرآني؛ إذ يأتي بفوائد مستنبطة لم يسبق إليها (^١).
سابعًا: اهتمامه بالأمور العصرية التي استحدثت في زمانه وتنزيلها في مكانها المناسب في الاستنباطات (^٢).
تقييم استنباطات السعدي:
ومع هذا الثناء والمكانة العلمية المرموقة للشيخ السعدي والمميزات
_________________
(١) انظر: الاستنباط رقم: ٥٠ و٦٩ و١٢٩ و١٥٦ و١٧٩ و٢٢٢ و٢٦١ و٢٩٩ و٣٠٩ و٣٣١ و٣٤٦ و٤٠٩ و٤٣١ و٤٣٤.
(٢) وقد ألف في ذلك كتابًا سماه"الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخل في الدين الإسلامي".
[ ١١٨ ]
التي امتاز بها إلا أن تفسيره، وبعض آرائه التفسيرية والاستنباطية لم تخل من النقد، فقد وجه بعض العلماء، والباحثين انتقادات للسعدي منها ما هو صحيح ومنها ما هو غير صحيح، ومنها ما هو محل اجتهاد لا يجزم أن السعدي غلط فيه، وهذا الانتقادات على النحو التالي:
أولًا: ما يتعلق باستنباط السعدي حول معنى يأجوج ومأجوج، وكونهم الأمم الموجودة الآن من الأمريكان، والصين، ونحوهم، فقد لاقى هذا الاستنباط معارضات، في عهد السعدي حيث أنكر عليه ذلك علماء نجد، بل استدعي من قبل الملك عبد العزيز بهذا الشأن (^١)، وممن رد على السعدي وانتقده في ذلك الشيخ حمود التويجري في كتابه"الاحتجاج بالأثر"، وقد ذكرت ذلك في موطن دراسة هذا الاستنباط (^٢)، وممن انتقده ورد عليه كذلك الشيخ عبدالكريم الحميد في رسالته الموسومة بـ"ابطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج".
ثانيًا: وجه الباحث علي رضا المدني، بعض الانتقادات لبعض المواطن في تفسير السعدي، وذلك في كتابه الموسوم بـ "التعقبات الجياد على تفسير السعدي لبعض الآيات"، وقد بلغ عدد المواطن التي انتقدها ثمانية عشر موطنًا.
وعند التأمل في الانتقادات التي أوردها المدني، نلحظ أنها بالنسبة للتفسير قليلة جدًا بل نقطة في بحر حسنات السعدي، كذلك نلحظ أن منها ما هو صواب، ومنها ما هو موضع خلاف واجتهاد قد يختار السعدي فيه ما هو مرجوح، ومنها ما يكون الصواب فيه مع السعدي.
فمن الأمثلة التي اختار فيها السعدي ما هو مرجوح ما قاله في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرِ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، يحتمل أن الضمير في هذا الموضع، يعود إلى المشركين،
_________________
(١) انظر: الاحتجاج بالأثر للتويجري (٣٢٧).
(٢) انظر: الاستنباط رقم: ٣٢٧.
[ ١١٩ ]
لأنهم مذكورون في اللفظ، والقاعدة في الضمائر، أن تعود إلى أقرب مذكور (^١).
فقال الناقد: (والصحيح أن الضمير يعود إلى الملائكة) (^٢)، وهو اختيار الطبري، وقول الناقد هو الصحيح.
ومن الأمثلة التي أخطأ فيها الناقد، انتقاده السعدي في استنباطه عدم نبوة الخضر، حيث قال السعدي - ﵀ -: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيًا، بل عبدًا صالحًا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره، وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ﴿وَأَوْحَى رَبَّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]). ا. هـ (^٣)
فقال الناقد: (والذي عليه السلف أنه نبي) (^٤)، والمسألة فيها خلاف، والصحيح ما قاله السعدي، لأن الخضر لوكان نبيًا لجاء التنبيه عليه بأوضح من ذلك. والله أعلم.
ثالثًا: وممن وجه بعض الانتقادات لتفسير السعدي كذلك، الشيخ محمد زهري النجار، حيث إنه حقق نص تفسير السعدي، وكان عند التحقيق تعرض لبعض المواطن، وعلق عليها، منها ما هو صواب (^٥)، ومنها ما ظهر فيها من التخطئة التي لا داعي لها، حيث كانت مواطن اجتهاد، وفيها نوع تحامل على السعدي (^٦)، وقد جمع الشيخ محمد آل
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٦٧٩).
(٢) انظر: التعقبات الجياد (٧).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٤٨٤)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٥٦).
(٤) انظر: التعقبات الجياد (١٠).
(٥) انظر: تفسير السعدي بتحقيق النجار (١/ ٤٤٧)، (١/ ٤٦٠)، (٢/ ٢٤٧)، (٢/ ٣٧٨)، (٤/ ٦٨)، (٤/ ٢٩٤)، (٥/ ٣٧٩).
(٦) انظر: كشف الستار للبسام (٩)، (١٢)، (٣٥)، (٣٧)، (٤٧)، (٥١).
[ ١٢٠ ]
بسام المواطن الأخيرة التي فيها نوع تحامل- والتي بلغ عددها الأربعين تقريبًا- ورد عليها في كتابه الموسوم بـ "كشف الستار على تلفيق وتعليق النجار على تفسير السعدي".
رابعًا: وممن وجه بعض الانتقادات لتفسير السعدي كذلك، الشيخ محمد جميل زينو، فقد جمع بعض الأمور التي يرى أن السعدي أخطأ فيها، والتي أوصلها إلى أحد عشر تنبيهًا، وذلك في كتاب له سماه" تنبيهات على تفسير العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي"، وهذه التنبيهات منها ما هو صحيح (^١)، ومنها ما الحق فيه مع السعدي (^٢)، ومنها ما هو محل اختلاف لا يعد من اختار فيه قولًا مخطئًا؛ إذ الأمر محتمل (^٣).
ومن خلال ما تقدم من إيراد النقد الموجه للسعدي تبين أن أكثر النقاد توجهوا إلى نقد السعدي في اختياراته التفسيرية دون أن يكون هناك توجه إلى نقد استنباطاته إلا في أحوال يسيرة نادرة كما مر في الاستنباط الخاص بيأجوج ومأجوج، ومن خلال دراستي لاستنباطات السعدي، والعيش مع هذه الاستنباطات زمنًا، في جمعها من مؤلفاته، ودراستها مقارنة باستنباطات غيره من المفسرين، يمكن أن نقيم استنباطات السعدي من خلال الآتي:
أولًا: تميزت استنباطات السعدي بدقتها، وسلامتها من المخالفات العقدية، وظهور التمكن الفقهي في استنباطاته الفقهية، وتميزت كذلك بسهولة عبارتها، وتنوعها حيث لم تكن في فن واحد فقط.
ثانيًا: ظهر في استنباطات السعدي اهتمامه بالأمور العصرية،
_________________
(١) انظر: تنبيهات زينو على تفسير السعدي، التنبيه رقم: (١)، (٢)، (٣)، (٧).
(٢) انظر: تنبيهات زينو على تفسير السعدي، التنبيه رقم: (٦)، (١٠)، (١١).
(٣) انظر: تنبيهات زينو على تفسير السعدي، التنبيه رقم: (٤)، (٨)، (٩).
[ ١٢١ ]
ووضعها في مكانها المناسب من الاستنباط، مما جعل السعدي يتفرد ببعض الاستنباطات عن سابقيه من المفسرين.
ثالثًا: أنه مع هذا التميز إلا أن هناك بعض استنباطات السعدي ظهر لي أنها لم تكن صحيحة، وقد بلغ عددها تسعة عشر (^١)، والسبب في ذلك راجع إلى عدة أمور:
١ - عدم التنبه لموانع اعتبار مفهوم المخالفة، حيث إن السعدي في بعض الاستنباطات التي أخذها لم يتنبه لموانع اعتبار مفهوم المخالفة كخروج اللفظ مخرج الغالب (^٢)، أو مجئ اللفظ للمثال (^٣)، أو كون اللفظ له فائدة أخرى تمنع اعتبار مفهومه (^٤)، مما جعل استنباطه لا يصح.
٢ - اعتباره دلالة الاقتران وهي دلالة ضعيفة مما جعل استنباطه الذي كان بدلالة الاقتران غير صحيح (^٥).
٣ - عدم الاستناد أحيانًا إلى دليل يستند إليه في الاستنباط، كما أخذ من تقييد مزدلفة بالمشعر الحرام أن عرفة حل، مع عدم لزوم ذلك، فلا يلزم من كون مزدلفة حرامًا أن عرفة حلال (^٦).
٤ - أخذ الاستنباط من الآية بدلالة عامة، كأخذه حجب الجد للأخوة، من باب تسمية الجد أبًا، مع أن تسمية الجد أبًا لا يلزم منها التساوي بين الأب والجد في كل مسألة (^٧).
٥ - عدم وجود رابط قوي بين المعنى المستنبط وبين الآية المستنبط
_________________
(١) انظر: الاستنباط رقم: ٣١ و٤٥ و٤٧ و٧٣ و٧٨ و١٣٣ و١٤٢ و١٤٥ و١٤٦ و١٩٣ و٢٣٨ و٢٨٤ و٣٢٩ و٣٤١ و٣٦٢ و٣٦٦ و٤٠٥ و٤٠٧ و٤٢٢.
(٢) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٢ و٤٢٢.
(٣) انظر: الاستنباط رقم: ٧٨.
(٤) انظر: الاستنباط رقم: ٣١ و٣٤١.
(٥) انظر: الاستنباط رقم: ٤٥.
(٦) انظر: الاستنباط رقم: ٤٧ و٧٣.
(٧) انظر: الاستنباط رقم: ١٣٣ و٣٦٢ و٣٦٦ و٤٠٥.
[ ١٢٢ ]
منها، كما أخذ من ختم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا شَهْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (النساء: ٢٥)، بالرحمة والمغفرة أن الحدود كفارات (^١).
٦ - عدم التنبه للنصوص الأخرى من الكتاب والسنة، كما استنبط من آية التيمم اشتراط الترتيب بين أعضاء التيمم، مع أن الحديث يدل على أن الترتيب ليس شرطًا (^٢).
٧ - عدم الدقة أحيانًا في تفسير الآية، مما يترتب عليه عدم صحة الاستنباط، وكما هو معروف أن التفسير الصحيح هو أساس الاستنباط (^٣).
٨ - أن بعض الاستنباطات ربما كان متعلقًا بالعرف فلا يلزم من كونه كان في أمم سابقة أنه هو الأفضل، كما استنبط استحباب نقل الطعام إلى الضيف، بينما الأمر راجع إلى العرف فقد يكون الأفضل نقل الطعام إلى الضيف، وقد يكون الأفضل العكس (^٤).
_________________
(١) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٥ و١٤٦.
(٢) انظر: الاستنباط رقم: ١٩٣.
(٣) انظر: الاستنباط رقم: ٢٨٤ و٣٢٩.
(٤) انظر: الاستنباط رقم: ٤٠٧.
[ ١٢٣ ]