استنبط السعدي عددًا من المسائل العقدية، ويمكن تقسيم استنباطاته لهذه المسائل إلى قسمين:
القسم الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (وتضمنت إثبات مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبورا على أفعاله، وهذا يفهم من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فلولا أن مشيئة العبد مضطر فيها إلى إعانة ربه وتوفيقه لم يسأل الاستعانة). ا. هـ (^١).
وقول السعدي - ﵀ -: (وفي قوله: ﴿أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه) ا. هـ (^٢)
_________________
(١) انظر: تيسير اللطيف المنان لابن سعدي (١٢) الاستنباط رقم: ٢.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٨٤) و(٨٠١) الاستنباط رقم: ٣٤.
[ ٥٧ ]
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله أو قوله وإخباره كما قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]). ا. هـ (^١)
القسم الثاني: استنباطات فيها تقرير لمسائل عقدية على مذهب أهل السنة والجماعة والرد على المخالفين لهم، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم: أن القرآن مخلوق). ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة، فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم). ا. هـ (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٤١٠)، وفوائد مستنبطة من قصة يوسف للسعدي (١٢٤)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٨١) الاستنباط رقم: ٢٧٥ وانظر كذلك الاستنباط رقم: ٨٩ و١٠١ و١١١ و١٤٩ و١٩٩ و٢١١ و٢٢٥ و٣١٠ و٣٥٩ و٤١٣ و٤٢٧.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٣٢٩) الاستنباط رقم: ٢٣٥.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٢٦٦)، كما أن السعدي استنبط هذه المسألة من آية المطففين وهي قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، فقال: (ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة). انظر: تفسير السعدي (٩١٦) الاستنباط رقم: ٢١٣.
[ ٥٨ ]
وقول السعدي - ﵀ -: (كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة وعلى القدرية المجبرة: وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾، أثبت: أنه لهم مشيئة حقيقية، وفعلا حقيقيا - وهو الاستقامة - باختيارهم. فهذا رد على الجبرية. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر: أن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأنها لا توجد بدونها. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ففيها رد على القدرية القائلين: " إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله ": بل عندهم، يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاؤه الله، ولا يقدره ودلت الآية على الحق الواضح، وهو: أن العباد هم الذين يعملون الطاعات والمعاصي حقيقة، ليسوا مجبورين عليها: وأنها - مع ذلك - تابعة لمشيئة الله، كما تقدم كيفية وجه ذلك). ا. هـ (^١)
_________________
(١) انظر: الدرة البهية للسعدي (١٥٥)، وتفسير السعدي (٩١٤) الاستنباط رقم: ٤٤٦، وانظر الاستنباط رقم: ١٨٢.
[ ٥٩ ]