ومعنى ذلك أن يكون الاستنباط من مجموع النصين، ويدخل في ذلك أيضًا تأييد الاستنباط بأدلة أخرى سواء من القرآن أو السنة، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها» ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافا للمرجئة، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٠٤) و(٧٨١)، وفتح الرحيم للسعدي (١٥٧) الاستنباط رقم: ٦٠.
[ ١٠٢ ]
هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد، ومفهوم الآية: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم.
أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال -أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد). ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (ومفهوم الآية أن الفراق بالموت تعتد له الزوجة المعقود عليها ولو قبل الدخول، وكما يؤخذ من مفهوم هذه الآية فإنه يؤخذ من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]). ا. هـ (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٤٩) و(٥٧٢) الاستنباط رقم: ١٠٦.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٣١٧) الاستنباط رقم: ٢٣٠.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٦٦٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (١٤٨) الاستنباط رقم: ٣٨٠.
[ ١٠٣ ]
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها - أي من الفوائد التي تدل عليها الآية -: تحريم الكلام والإمام يخطب، لأنه إذا كان الاشتغال بالبيع ونحوه - ولو كان المشتغل بعيدًا عن سماع الخطبة - محرمًا فمن كان حاضرًا تعين عليه أن لا يشتغل بغير الاستماع، كما أيد هذا الاستنباط الأحاديث الكثيرة). ا. هـ (^١)
_________________
(١) انظر: تيسير اللطيف للسعدي (٨٩) الاستنباط رقم: ٤٣٤، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ١٤٥ و١٩٩ و٣٢٦ و٣٤٥ و٣٩٥.
[ ١٠٤ ]