استنبط السعدي بعض الاستنباطات الإعجازية، والتي منها ما يتعلق بالإعجاز العلمي، ومنها ما يتعلق بالإعجاز التشريعي، ومنها ما يتعلق بإعجاز اللفظ القرآني، فمن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها» ا. هـ (^١)
وقول السعدي -﵀-: (فسمى هذه الأحكام آيات؛ لأنها تدل أكبر دلالة على عنايته ولطفه بعباده، وأنه شرع لهم من الأحكام، الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، ولا يصلح العباد غيرها) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]، مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره،
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٠٤) و(٧٨١)، وفتح الرحيم للسعدي (١٥٧) الاستنباط رقم: ٦٠.
(٢) انظر: تيسير اللطيف المنان لابن سعدي (١٥٠) الاستنباط رقم: ٦٦.
[ ٦٨ ]
وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلا جامعا يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ذكر نعيم الجنة وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢]، فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب كالخيل والبغال والحمير والإبل والسفن، وأجمل الباقي في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]). ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد [ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم] ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وقوله: ﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما) ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٤٣١) الاستنباط رقم: ٢٩٣.
(٢) انظر: تفسير السعدي (١٩٣) الاستنباط رقم: ١٥٥.
(٣) انظر: تفسير السعدي (٢٢٢) الاستنباط رقم: ١٧٩.
[ ٦٩ ]
الاحتمال، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام، فهذا المحرم على هذه الأمة كله من باب التنزيه لهم والصيانة). ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (وأخبر تعالى أنه أنزل الحديد، فيه بأس شديد ومنافع للناس، فخص منافعه في أمور الحرب ثم عممها في سائر الأمور ; فالحديد أنزله الله لهذه المنافع الضرورية والكمالية، الخاصة والعامة، فجميع الأشياء إلا النادر منها تحتاج إلى الحديد ; وقد ساقها الله في سياق الامتنان على العباد بها، ومقتضى ذلك الأمر باستخراج هذه المنافع بكل وسيلة). ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وقوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ﴾ [النساء: ١٠١]، ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان:
إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله: ﴿مِنَ الصَّلَاةُ﴾ ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ وأصحابه.
الثانية: أن ﴿مِنَ﴾ تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين) ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم. بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]؛ لأن هذه
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٢٧٧) الاستنباط رقم: ٢٢٠.
(٢) انظر: الدلائل القرآنية للسعدي (٢٨٠) الاستنباط رقم: ٤٢٠.
(٣) انظر: تفسير السعدي (١٩٧) الاستنباط رقم: ١٦٠.
[ ٧٠ ]
القاعدة الشريفة -لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (وقال في النار ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وفي الجنة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم لحرها، وأشد لعذابها.
وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى الله بمحمد ﷺ، حتى يشفع، فيشفعه الله تعالى) ا. هـ (^٢)
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٢١٢) الاستنباط رقم: ١٦٨.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٧٣١) الاستنباط رقم: ٣٩٣، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ١١٧ و١٥١ و١٦٤ و٢٤٧ و٢٥٥ و٣٢٠ و٣٣٨ و٣٦٧.
[ ٧١ ]