القياس هو: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (^١).
ومن الأدوات التي استخدمها السعدي في الاستنباط، القياس، وهو من حيث كثرة الاستخدام في المرتبة الثالثة كما مر الإشارة إلى ذلك، وقد قال السعدي في بيان استخدام القياس كأداة استنباط: (ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما) (^٢)، ومن الأمثلة على ذلك:
قول السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) يؤخذ من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول: "إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين، وكان الصحابة ﵃إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة (٢/ ٧٠)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٢٤٢).
(٢) انظر: تفسير السعدي (١٨٤).
[ ٨٩ ]
بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، يردوهم ردًّا جميلا بقول حسن غير فاحش ولا قبيح) ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ) ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.
والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها) ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) ودل تعليل الآية الكريمة أن كل ما أعان على فعل الخير، ونشط عليه، وسكن قلب صاحبه أنه مطلوب ومحبوب لله، وأنه ينبغي للعبد
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (١٦٥) الاستنباط رقم: ١١٨.
(٢) انظر: تفسير السعدي (١٩٠) الاستنباط رقم: ١٥١.
(٣) انظر: تفسير السعدي (١٩٨) الاستنباط رقم: ١٦٢.
[ ٩٠ ]
مراعاته وملاحظته في كل شأن من شؤونه، فإن من تفطن له فتح له أبوابا نافعة له ولغيره بلا تعب ولا مشقة، وأنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين). ا. هـ (^١)
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن ريق الصبي طاهر، ولو كان بعد نجاسة، كالقيء، لقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، مع قول النبي ﷺ حين سئل عن الهرة: " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات "). ا. هـ (^٢)
وقول السعدي - ﵀ -: (ومنها - أي من الفوائد التي تدل عليها الآية -: تحريم الكلام والإمام يخطب، لأنه إذا كان الاشتغال بالبيع ونحوه - ولو كان المشتغل بعيدًا عن سماع الخطبة - محرمًا فمن كان حاضرًا تعين عليه أن لا يشتغل بغير الاستماع، كما أيد هذا الاستنباط الأحاديث الكثيرة). ا. هـ (^٣)
وقول السعدي - ﵀ -: (﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، بأن لم يتفقوا على إرضاعها لولدها، فلترضع له أخرى غيرها وهذا حيث كان الولد يقبل ثدي غير أمه، فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، تعينت لإرضاعه، ووجب عليها، وأجبرت إن امتنعت، وكان لها أجرة المثل إن لم يتفقا على مسمى، وهذا مأخوذ من الآية الكريمة من حيث المعنى، فإن الولد لما كان في بطن أمه مدة الحمل، ليس له خروج منه، عين تعالى على وليه النفقة، فلما ولد، وكان يمكن أن يتقوت من أمه ومن غيرها، أباح تعالى الأمرين، فإذا كان بحالة لا يمكن أن يتقوت إلا من أمه كان بمنزلة الحمل، وتعينت أمه طريقًا لقوته). ا. هـ (^٤)
_________________
(١) انظر: تيسير اللطيف للسعدي (٧٨)، وتفسير السعدي (٣٥١) الاستنباط رقم: ٢٤٩.
(٢) انظر: تفسير السعدي (٥٧٤) الاستنباط رقم: ٣٤٥.
(٣) انظر: تيسير اللطيف للسعدي (٨٩) الاستنباط رقم: ٤٣٤.
(٤) انظر: تفسير السعدي (٨٧١) الاستنباط رقم: ٤٣٨، وانظر كذلك الاستنباط رقم: ٢٩ و٩١ و١٤١ و١٥٩ و١٦٣ و١٩٦ و٢٣٣ و٢٥٢ و٢٥٤ و٢٩٩.
[ ٩١ ]