قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (٢٩)﴾ (البقرة: ٢٩).
١٠ - قال السعدي - ﵀ -: (وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة (^١)
والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان). ا. هـ (^٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة أصولية وهي أن الأصل في
_________________
(١) وهذه المسألة وهي - هل الأصل في الأشياء الإباحة- حصل فيها خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال: القوال الأول: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ووجه قول القائلين بالإباحة أنه ﷾ غني على الحقيقة جواد على الإطلاق والغني الجواد لا يمنع ماله عن عبيده إلا ما كان فيه ضرر فتكون الإباحة هي الأصل باعتبار غناه سبحانه وجوده والحرمة لعوارض فلم تثبت فبقى على الإباحة، وهذا مذهب الشافعية وكثير من أصحاب أبي حنيفة. القول الثاني: أن الأصل في الأشياء الحظر، ووجه القول بالحظر إن الأشياء كلها مملوكة لله تعالى على الحقيقة، والتصرف في ملك الغير لا يثبت إلا بإباحة المالك فلما لم تثبت الإباحة بقي على الحظر لقيام سببه وهو ملك الغير، وهذا منسوب إلى أبي حنيفة. القول الثالث: التوقف حتى يأتي دليل على الحظر أو الإباحة، ووجه القول بالتوقف إن الحرمة والإباحة لا تثبت إلا بالشرع فقبل وروده لا يتصور ثبوت واحدة منهما فلا يحكم فيها بحظر ولا إباحة، وهذا مذهب أكثر المالكية. انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠)، والمحرر الوجيز (٦٩)، وتفسير حقي (١/ ٩٠).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٤٨).
[ ١٤٤ ]
الأشياء الإباحة والطهارة ودليله على ذلك هو أن الله امتن على الناس بما خلقه لهم في الأرض وكان السياق سياق امتنان فدل على الإباحة.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الكيا الهراسي: (يدل على إباحة الأشياء في الأصل إلا ما ورد فيه دليل الحظر) (^١)، وقال القاسمي: (ومعنى لكم لأجلكم ولانتفاعكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل) (^٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضًا: ابن جزي الكلبي، والبقاعي، وابن بدران، والمراغي، والدوسري (^٣) (^٤).
المخالفون:
وممن خالف في هذا الاستنباط ابن العربي حيث يرى أن السياق سياق اعتبار فلا دلالة في الآية على هذه القاعدة، فقال مبينًا ذلك: (. . . وتحقيق ذلك أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم وجريانها في التقديم والتأخير بحكم الإرادة. . . . وليس في الإخبار بهذه العبارة عن هذه الجملة ما يقتضي حكم الإباحة ولا جواز التصرف؛
_________________
(١) انظر: وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٨).
(٢) انظر: ومحاسن التأويل (١/ ٣١١)
(٣) هو: عبدالرحمن بن محمد بن خلف آل نادر الدوسري، ولد في البحرين ١٣٣٢ هـ نشأ في الكويت في بيئة صالحة، درس في المدرسة المباركية، وتأثر بعدد من المشائخ منهم: عبدالله الدحيان، وعبدالرحمن الدويش، وقاسم بن مهزع، وله مؤلفات منها: صفوة الآثار والمفاهيم تفسير، والأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة وغير ذلك. توفي عام ١٣٨٩ هـ. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم (١/ ٢٥)، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ١٦٣).
(٤) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (٦١)، ونظم الدرر (١/ ٢٢١)، وجواهر الأفكار (١٤٩)، وتفسير المراغي (١/ ٧٦)، وصفوة الآثار والمفاهيم (١/ ٧٣).
[ ١٤٥ ]
فإنه لو أبيح جميعه جميعهم جملة منثورة النظام لأدى ذلك إلى قطع الوصائل والأرحام والتهارش في الحطام. . .) (^١).
النتيجة:
وسبب الخلاف هنا هو السياق فابن العربي يرى أن الآية جاءت في سياق الاعتبار فلا تدل على هذه القاعدة، وأما من رأى أن السياق سياق اعتبار وانتفاع فيرى أن في الآية دلالة
على هذه القاعدة حيث أن الله أخبر بأنه خلقه لنا على وجه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة إطلاق الانتفاع فثبتت الإباحة (^٢).
وعند التأمل نجد أن السياق سياق اعتبار وانتفاع كما قرر ذلك بعض المفسرين قال ابن الجوزي: (. . . فبعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار. . .) (^٣)، وذكر هذا أيضًا: البيضاوي والألوسي (^٤)، وأشار إليه السعدي عند ذكره لهذا الاستنباط، فلا تعارض بين الأمرين حتى يكون أحدهما مانعًا من استنباط هذه القاعدة من هذه الآية، وبناء على ذلك فالآية يستنبط منها هذه القاعدة الأصولية قال ابن بدران: (. . . والذي تقتضيه الآية: أن الله خلق لنا ما في الأرض جميعًا وإذا كان مخلوقًا لنا والله تعالى ذكره في معرض النعم التي عمت المكلفين بأسرهم فيكون مباحًا لنا إلا أن يأتي بيان من الشرع يمنع شيء منه فإننا نتركه عملًا بذلك البيان. . .) (^٥).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠).
(٢) انظر: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر للحموي (١/ ٢٠٩).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٤٦).
(٤) انظر: زاد المسير (٥٢)، وروح المعاني (١/ ٢١٥)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ٤٨).
(٥) انظر: جواهر الأفكار (١٤٩).
[ ١٤٦ ]