إن أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط، ألا ترى أن من يكون مستنبطًا من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظًا غير مستنبط (^٢)، وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم (^٣)، وتبرز أهمية الاستنباط وآكديته عندما نعلم أن بعض الأحكام الشرعية طريق معرفتها هو الاستنباط، قال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٧٣٢).
(٢) انظر: أصول السرخسي (٢/ ٩٤).
(٣) انظر: أعلام الموقعين (١/ ٢١٤).
[ ١٨ ]
معظم الأحكام النازلة أو في بعضها) (^١)، وقال الجصاص: (فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كُلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه، فعلى العلماء استنباط أحكام الحوادث والتوصل إلى معرفتها بردها إلى نظائرها من المنصوص) (^٢).
وقد أشار السعدي إلى أهمية الاستنباط، بأنه سبب لتحصيل العلم العظيم، فقال: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له، وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا منّ به الله علينا) (^٣)، وقال في موضع آخر: (وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة. فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن، العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (^٤).