قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤)
٨ - قال السعدي - ﵀ -: (وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾. . . وفيها أيضًا، أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار، لأنه قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ فلو كان عصاة الموحدين يخلدون فيها، لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج (^٢)
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨٧٤)، والبحر المحيط (٧/ ٢٦٨)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٠٧).
(٢) هي: من أوائل الفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام إلا أنها انقسمت إلى ما يقارب العشرين فرقة، وكبار فرق الخوارج سبع وهي: المحكمة الأولى، والأزارقة، والنجدات، والثعالبة، والعجاردة، والأباضية، والصفرية، كان أول أصولهم تكفير صاحب الكبيرة وخلوده في النار ثم تأثروا بكلام الجهمية في القرآن، والرؤية، ومن أصولهم الأخذ بالقرآن وترك السنة التي يطنون أنها مخالفة للقرآن كالرجم ونصاب السرقة ونحو ذلك. انظر: الملل والنحل (١/ ١٠٦)، والموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٥٣).
[ ١٤٠ ]
والمعتزلة (^١) (^٢» ا. هـ (^٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الموحدين لا يخلدون في النار، ووجه استنباط ذلك من الآية هنا بدلالة مفهوم المخالفة حيث أن الله ذكر في الآية أن النار معدة للكافرين ومفهوم
المخالفة أن غير الكافرين لا يخلدون فيها لأن النار ليست معدة لهم وإن دخلوها فهو دخول مؤقت.
قال العثيمين ذاكرًا هذا الاستنباط: (ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار دارًا لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي، إذا لم يعف الله عنه، فإنه يُعذَب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما
_________________
(١) هي: فرقة نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، اعتمدت العقل في فهم العقيدة الإسلامية، اشتهرت بأصولها الخمسة وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أصولهم أن الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، وأن صاحب الكبيرة مخلَّد في النار، ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع والضلالات. انظر: الفرق بين الفرق (١١٢)، والملل والنحل (٣٨)، والموسوعة الميسرة (١/ ٦٤).
(٢) إشارة إلى مذهب الخوارج والمعتزلة في أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار .. انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٤٤٤)، والخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية د. غالب عواجي (٣٣٦)، والخوارج وآراؤهم د. شوقي عبدالله (١٣٦)، وتأثير المعتزلة في الخوارج عبداللطيف الحفظي (٢٠).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٤٦) و(١٩٤).
[ ١٤١ ]
بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة ..) (^١)، وممن ذكر ذلك وأيده السمعاني (^٢)، والهرري (^٣) (^٤).
وما ذهب إليه السعدي في الاستنباط من هذه الآية ومن وافقه من المفسرين صحيح فالآية تدل على أن النار أُعدت أصالة للكفار مما يُفهم منه على أن غيرهم ليس بخالد فيها وإن دخلها. والله أعلم.