قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ (البقرة: ١١٥).
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٦١).
(٢) انظر: فتح القدير (١/ ١٥٦).
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٧٠)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٥٦)، وروح البيان (١/ ١٩٧)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين سورة البقرة العثيمين (١/ ٣٣٩).
[ ١٦١ ]
٢٠ - قال السعدي - ﵀ -: (قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكًا لها، كان مالكًا لكل الجهات). ا. هـ (^١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص ملكيته للمشرق والمغرب مع أنه مالك لهما ولكل شيء؛ وبين وجه مناسبة ذلك وهو أنه إذا كان مالكًا لهاتين الجهتين العظيمتين كان مالكًا لغيرهما من الجهات الأخرى من باب أولى.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (. . . والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكًا، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلامًا منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم - إذ كان له ملكهم - طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم) (^٢)، وممن قال بذلك أيضًا الخازن (^٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين فقالوا إن سبب التخصيص في ذلك إنما هو للتشريف، قال أبوحيان: (أو اقتصر على ذكرهما تشريفًا لهما، حيث
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٦٣).
(٢) انظر: جامع البيان (١/ ٥٥١).
(٣) انظر: لباب التأويل (١/ ٧٣).
[ ١٦٢ ]
أضيفا لله، وإن كانت الأشياء كلها لله، كما شرف البيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى) (^١)، كما أشار إلى ذلك ابن عادل الحنبلي، والقرطبي (^٢).
وذهب آخرون إلى أن السبب في هذا التخصيص إنما هو سبب نزول هذه الآية (^٣)، قال ابن عطية: (و﴿الْمَشْرِقُ﴾ موضع الشروق، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٣٠).
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٤١٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٧٦).
(٣) اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على أقوال: أحدها: أن سبب ذلك، أن النبي ﷺ، كان يستقبل بصلاته بيت المقدس بعد هجرته ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، حتى قالت اليهود: إن محمدًا وأصحابه، ما دروا أين قبلتهم حتى هديناهم، فأمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة، فتكلمت اليهود، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن هذه الآية نزلت قبل أن يفرض استقبال القبلة، فأباح لهم أن يتوجهوا بصلاتهم حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، وهذا قول قتادة وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في صلاة التطوع للسائر حيث توجه، وللخائف حيث تمكن من مشرق أو مغرب، وهذا قول ابن عمر، روى سعيد بن جبير عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعًا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعًا، يومئ برأسه نحو المدينة. والرابع: أنها نزلت، فيمن خفيت عليهم القبلة، ولم يعرفوا جهتها، فَصَلُّوا إلى جهات مختلفة. روى عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار، فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية = =والخامس: أنها نزلت في النجاشي، وروى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: " إِنَّ أَخَاكُم النَّجَاشِيّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ " قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم، قال فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: ١٩٩] قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. انظر: جامع البيان (١/ ٥٤٩ - ٥٥١)، والنكت والعيون (١/ ١٧٥ - ١٧٧)، وأسباب النزول للواحد (٣٩).
[ ١٦٣ ]
موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية اقتضى ذلك) (^١) كما أشار إلى ذلك أيضًا القرطبي (^٢).
والذي يظهر من كلام هؤلاء هو تأثير سبب النزول على التخصيص أيًا كان هذا السبب من الأسباب التي وردت.
النتيجة:
والذي يظهر - والله أعلم - أن سبب التخصيص هنا له تعلق بسياق الآية وأن المؤمنين لما أخرجوا من مكة ولما منعهم الكفار من دخولها عام الحديبية وقع في نفوسهم شيء من الحزن في بعدهم عن بيت الله الحرام فجاء هذا التخصيص لإزالة الحزن وبيان أن العبودية لله لا تختص بمكان معين بل المكان الذي هو أرضى لله هو الأفضل وإن لم يكن ذلك في البيت الحرام، قال ابن عاشور: (لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضى الله تعالى ومن كانت وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغني عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها) (^٣).
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (١٢٦).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٧٦).
(٣) انظر: التحريروالتنوير (١/ ٦٨٢).
[ ١٦٤ ]