قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبَّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (٣٠)﴾ (البقرة: ٣٠).
١٢ - قال السعدي - ﵀ -: (. . . ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وهذا تخصيص بعد تعميم؛ لبيان شدة مفسدة القتل). ا. هـ (^٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية عِظم مفسدة القتل ووجه ذلك أنها ذكرت بعد العموم والخاص بعد العام يدل على معنى والمعنى هنا هو بيان شدة مفسدة القتل.
قال الألوسي موافقًا السعدي على هذا الاستنباط: (. . . والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية) (^٣)، وكذا قال ابن عاشور: (. . . وعُطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به) (^٤).
يؤكد هذا الاستنباط ويؤيده أمور منها:
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٠٢)، وأنوار التنزيل وأسرا التأويل (١/ ٤٨)، ونظم الدرر (١/ ٢٢٥)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٧٩)، والتحرير والتنوير (١/ ٣٨٦).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٤٨).
(٣) انظر: روح المعاني (١/ ٢٢٣).
(٤) انظر: التحرير والتنوير (١/ ٤٠٢).
[ ١٤٨ ]
أولًا: التعبير بالسفك له دلالة على قبح هذا الفعل وشناعته (^١).
ثانيًا: ما جاء من النصوص الشرعية التي تبين صراحة إثم هذا الذنب فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (النساء: ٩٣). وقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣)
وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ -: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يُصب دمًا حرامًا) (^٢).
ففي هذه النصوص دلالة واضحة على جرم هذا الذنب وشناعته.
ثالثًا: أن هذا الإفراد من العموم - أي إفراد القتل بالذكر مع دخوله في عموم الإفساد في الأرض - فائدة عظمى وهي التنفير من هذه الجريمة التي ذُكرت لوحدها قسيمة للإفساد في الأرض من بين باقي أنواع الإفساد؛ بيانًا لشدتها؛ وتحذيرًا من الوقوع فيها. والله أعلم.