قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧).
٤٠ - قال السعدي - ﵀ -: (قال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾،. . . وفيه أيضًا دليل
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٧٥).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٨٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب، ح (١٩٢٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، ح (١٠٩٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، ح (١٩٢١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، ح (١٠٩٧).
[ ٢٠٠ ]
على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه (^١)، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق). ا. هـ (^٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز إدراك الفجر لمن كان جنبًا قبل الاغتسال، ووجه الاستنباط هنا بدلالة الالتزام حيث أنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته إلى آخر أجزاء الليل فيلزم من ذلك طلوع الفجر وهو جنب.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الشنقيطي: (لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من الليل يلزم إصباحه جنبًا). (^٣)
وقال الألوسي: (واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنبًا) (^٤)، وقد عزاه ابن العربي
_________________
(١) وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، بل حكى ابن العربي الإجماع على ذلك، وهوالحق لدلالة الأحاديث الصحيحة عليه كما سيأتي في نص الدراسة، خالف في ذلك أبوهريرة ﵁، والحسن بن صالح فقالا إن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة أوردها ابن كثير في تفسيره. انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٧٨)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٨)، والتفسير الكبير (٥/ ٩٤)، وأورد ابن الفرس أن أبا هريرة ﵁ قال بعدم القضاء في أشهر الأقوال عنه. انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٢).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٨٧)، وفتح الرحيم العلام (١٣١).
(٣) انظر: المذكرة في أصول الفقه (٢٣٥).
(٤) انظر: روح المعاني (٢/ ٦٧).
[ ٢٠١ ]
لا بن عباس ﵄ قال: (وبهذا احتج ابن عباس عليه، ومن ها هنا أخذه باستنباطه، وغوصه). (^١)
وممن قال به أيضًا من المفسرين: الجصاص، والكيا الهراسي، وابن العربي، والجرجاني، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي، والسيوطي، وأبو السعود، وابن بدران، وصديق حسن خان. (^٢)
المخالفون:
وقد خالف في هذا الاستنباط بعض المفسرين: وحجتهم في ذلك أن الغاية متعلقة بالأكل والشرب دون المباشرة، قال السيوطي: (ومن منعه قال: إن الغاية متعلقة بـ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ دون ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٣)، كما أشار إليه أيضًا الألوسي (^٤).
النتيجة:
ما ذهب إليه عامة المفسرين ومنهم السعدي هو الصحيح في الاستنباط؛ لكثرة القائلين به وقوة حجتهم من الناحية الأصولية فكما أن دلالة الالتزام تدل على ذلك، فكذلك مفهوم المخالفة - مفهوم الغاية - يدل عليه أيضًا قال أبوحيان: (وفي هذه التغيئة أيضًا دلالة على جواز
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٨).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٨١)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٧٤)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٧)، ودرج الدرر (١/ ٣٥٢)، والكشاف (١١٥)، والتفسير الكبير (٥/ ٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢٢)، والبحر المحيط (٢/ ٥٨)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٧٨)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٧)، واللباب في علوم الكتاب (٣/ ٣١٤)، والإكليل (١/ ٣٥٩)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٢)، وجواهر الأفكار (٥٢١)، وفتح البيان (١/ ٣٧٦).
(٣) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٩).
(٤) انظر: روح المعاني (٢/ ٦٧).
[ ٢٠٢ ]
المباشرة إلى التبين، فلا يجب عليه الاغتسال قبل الفجر لأنه إذا كانت المباشرة مأذونًا فيها إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الفجر) (^١).
ومما يقوي هذا الاستنباط ويؤيده كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة، ﵄، أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جُنُبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم) (^٢).