للوصول إلى الاستنباط خطوات، وشروط في المستنبط، وشروط في المعنى المستنبط، لا بد من مراعاتها للوصول إلى الاستنباط.
فالخطوة الأولى المهمة، والتي تعتبر أساسًا للاستنباط هي معرفة معنى اللفظ، وفهمه فهمًا صحيحًا؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه
_________________
(١) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١١/ ٤٩).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص بتصرف (٢/ ٢٧٠).
(٣) انظر: تفسير السعدي (٧٣٢).
(٤) انظر: القواعد الحسان للسعدي (١٩).
[ ١٩ ]
استنباطًا خاطئًا، قال السعدي في ذلك: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ) (^١)، وقال كذلك: (والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (^٢).
أما المستنبط فلا بد أن تتوفر فيه بعض الشروط؛ إذ الاستنباط علم دقيق، خفي، يحتاج إلى شخص تتوفر فيه شروط ليس كغيره من أهل العلم، وقد أشار السعدي إلى بعض الشروط إجمالًا فقال: (كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه مطابقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني التي لم يعرج في اللفظ على ذكرها، وهذه القاعدة: من أجل قواعد التفسير وأنفعها، وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر، وصحة قصد، فإن الذي أنزله للهدى والرحمة هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تكن الصدور، وبما تضمنه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه) (^٣)، وقال كذلك: (لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٧٣٢).
(٢) انظر: القواعد الحسان للسعدي (١٩).
(٣) انظر: القواعد الحسان للسعدي (١٩).
[ ٢٠ ]
ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه) (^١)، ومن الشروط المطلوبة في المستنبط كذلك (^٢):
١ - صحة الاعتقاد، والعدالة، والبعد عن الأهواء والتعصب.
٢ - الملكة الفطرية والمكتسبة للحفظ والفهم، وهي أن يكون عنده صفاء ذهن ونفاذ بصيرة، وحدة ذكاء، وقدرة فطرية على النظر والاستدلال.
٣ - العلم من اللغة العربية ما يحسن به الفهم.
٤ - العلم بأصول الفقه، خصوصًا ما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات.
٥ - العلم بأصول التفسير.
٦ - العلم بالفقه ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية.
٧ - العلم بأصول الحديث، والقدرة على التمييز بين الصحيح والضعيف.
٨ - العلم بالنظائر وطرق الإلحاق.
٩ - العلم بالاصطلاحات والحدود عند كل أهل فن مما يحتاج إليه في الاستنباط.
١٠ - العلم بمقاصد الشريعة من حيث الجملة والتفصيل.
١١ - العلم بالقواعد الشرعية الكلية.
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٣٠).
(٢) انظر: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا (١٥٢ - ١٥٥)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (١٩٩ - ٢٤٠).
[ ٢١ ]
١٢ - معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط؛ إذ الجهل بالطرق الصحيحة يؤدي إلى الخطأ في الاستنباط.
وأما بالنسبة للمعنى المستنبط فلا بد من مراعاة بعض الشروط حتى يكون الاستنباط صحيحًا، وعليه فيشترط في المعنى المستنبط الشروط التالية (^١):
١ - سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح.
٢ - أن يكون بين المعنى المستنبط وبين اللفظ ارتباطًا صحيحًا.
٣ - أن يكون المعنى المستنبط مما للرأي فيه مجال.
٤ - عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة.
_________________
(١) انظر: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا (١٥٧)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٢٤٣ - ٢٧٦).
[ ٢٢ ]