قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧).
٤١ - قال السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (١٨٧)﴾ (^٣)
ودلت الآية. . . أن لا اعتكاف إلا في مسجد. . .) ا. هـ (^٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد، ووجه ذلك مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- والمراد به هنا ظرف المكان -
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا، ح (١٩٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، ح (١١٠٩).
(٣) استنبط بعض المفسرين من هذه الآية أن الاعتكاف عام في كل مسجد فلا اختصاص بمسجد دون الآخر، واستنبط بعضهم أيضًا جواز اعتكاف المرأة في بيتها لأن الخطاب في الآية موجه للرجال دون النساء. انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٠)، والتفسير الكبير (٥/ ٩٧)، وروح المعاني (٢/ ٦٨).
(٤) انظر: تفسير السعدي (٨٧).
[ ٢٠٣ ]
ففهم من هذا أن الاعتكاف لا يصح في غير المسجد.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الشنقيطي: (يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المسجد عند من يقول ذلك) (^١)
وقال الألوسي: (وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعًا في غيره لجاز في البيت وهو باطل بالإجماع) (^٢)، وممن قال به أيضًا من المفسرين: البغوي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والخازن، وحقي، وابن عاشور. (^٣)
المخالفون:
استنبط بعض المفسرين من هذه الآية عكس الاستنباط السابق وهو جواز الاعتكاف في غير المساجد وذلك من مفهوم الآية حيث جعل المفهوم هو في المساجد فمن اعتكف في غير المساجد جاز له مباشرة زوجته، وأن اعتكافه في غير المسجد جائز (^٤)، قال أبوحيان: (وظاهر قوله عاكفون في المساجد أنه ليس من شرط الاعتكاف كونه في المساجد لأن النهي عن الشيء مقيد بحال لها متعلق لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين يكون ذلك المتعلق شرطًا في وقوعها ونظير ذلك لا تضرب زيدًا وأنت راكب فرسًا ولا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلاَّ فرسًا فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه الآية على اشتراط
_________________
(١) انظر: المذكرة في أصول الفقه (٢٣٧).
(٢) انظر: روح المعاني (٢/ ٦٨).
(٣) انظر: معالم التنزيل (١/ ١١٣)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٧)، ومدارك التنزيل (١٠٠)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٢)، ولباب التأويل (١/ ١١٨)، وروح البيان (١/ ٣٠١)، والتحرير والتنوير (٢/ ١٨٦).
(٤) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٦٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٦).
[ ٢٠٤ ]
المسجد في الاعتكاف ضعيف؛ فذكر المساجد إنما هو لأن الاعتكاف غالبًا لا يكون إلاَّ فيها لا أن ذلك شرط في الاعتكاف)، كما أشار إلى ذلك واستحسنه ابن بدران. (^١)
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في هذا الاستنباط هو الصحيح، لأنه هو المفهوم من هذه الآية، ويؤيد هذا المفهوم إجماع العلماء، قال القرطبي: (أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد) (^٢)، وقال ابن جزي الكلبي: (وفيه أيضًا دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد لا في غيرها خلافًا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية). (^٣)
ومما يؤيد هذا الاستنباط أن النبي ﷺ بين كيفيته ومكانه، بل كان مكان اعتكاف نساءه المسجد ولو كان يصح في أي مكان لأرشد إليه النبي ﷺ
كما بين مكان صلاة المرأة وأن بيتها أفضل، ولو كان مجرد اللبث اعتكاف لكان المعتكفون كثر كل في مكانه وهذا خلاف ما في القرآن والسنة (^٤).
وأما ما قاله أبوحيان من أن ذكر المساجد هنا من باب الغالب، فلا يصح لأن ذكرها هنا من باب بيان خصوصية هذا الحبس فالاعتكاف لغة الحبس ولبيان خصوصيته وأنه مرتبط بالمسجد ذكرت معه المساجد (^٥).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٠)، وجواهر الإفكار (٥٢٣).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣١).
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٩٩).
(٤) انظر: فتح البيان (١/ ٣٧٨).
(٥) انظر: نظم الدرر (٢/ ٩٠).
[ ٢٠٥ ]