قال تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨).
٣٢ - قال السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أخذ
_________________
(١) روي أنه كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فأمرهم أن يتباوؤا. انظر: الدرالمنثور (١/ ٣٨٣)، وأسباب النزول للواحدي (٥٢).
(٢) انظر: روح المعاني (٢/ ٤٩).
(٣) هو: محمد محيى الدين بن مصطفى مصلح الدين القوجوي الحنفي المعروف بشيخ زاده، المدرس الرومي، مفسر، من فقهاء الحنفية. توفي سنة ٩٥١ إحدى وخمسين وتسعمائة، له من الكتب الإخلاصية في تفسير سورة الإخلاص، وتعليقة على شرح الهداية لابن مكتوم، وحاشية على أنوار التنزيل للبيضاوي. انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٩٩)، وهداية العارفين (٦/ ٢٣٨).
(٤) انظر: حاشية زاده على البيضاوي (١/ ٤٣٥).
[ ١٨٥ ]
بمفهومها بعض أهل العلم (^١) فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.) ا. هـ (^٢)
الدراسة:
استنبط بعض العلماء من هذه الآية أن الرجل لا يقتل بالمرأة أخذًا بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ورد السعدي هذا الاستنباط من وجهين:
أحدهما: دلالة السنة (^٣) على أن الرجل يقتل بالمرأة.
ثانيًا: أن منطوق قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ - وهو عام في الذكر والأنثى- مقدم على مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، والمنطوق عندما يتعارض مع المفهوم يقدم المنطوق (^٤). ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي الإجماع على أن الرجل يقتل بالأنثى، قال ابن عطية: (وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل) (^٥).
وممن وافق السعدي على ذلك: الجصاص، والرازي، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، والألوسي، وابن عاشور، وصديق حسن خان، والعثيمين، والهرري (^٦).
_________________
(١) وممن قال به الحسن، وعطاء. انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٥٤).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٨٤).
(٣) المراد بذلك قَتْل النبي ﷺ لليهودي الذي قتل جارية رضَّ رأسها بين حجرين، فرضَّ النبي ﷺ رأسه بين حجرين. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، ح (٢٤١٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره. . .، ح (٤٣٦١).
(٤) انظر: تفسير السعدي (٨٤).
(٥) انظر: المحرر الوجيز (١٥٨).
(٦) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧١)، والتفسير الكبير (٥/ ٤٤)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٢)، وتفسير الجلالين (٣٦)، وروح المعاني (٢/ ٤٩)، والتحرير والتنوير (٢/ ١٣٨)، وفتح البيان (١/ ٣٥٤)، وتفسير القرآن للعثيمين (٢/ ٣٠١) وتفسير حدائق الروح والريحان (٣/ ١٣١).
[ ١٨٦ ]
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فالآية لا تدل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى فالقصاص يكون بين الرجال والنساء، قال الطوفي: (الأنثى بالأنثى مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى لكنه متروك؛ لضعفه ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى ولا شيء لورثته) (^١)، وإنما خُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: ﴿الْحُرُّ﴾ وقوله: ﴿الْعَبْدُ﴾ مراد بها خصوص الذكور (^٢).