قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ. . . (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨).
٣١ - قال السعدي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ودل
[ ١٨٢ ]
بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد (^١)، لكونه غير مساوٍ له) ا. هـ (^٢).
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الحر لا يقتل بالعبد، ووجه دلالة الآية عليه بمفهوم المخالفة حيث أن تخصيص القصاص بين الحر والحر دال بمفهومه على أن الحر لا يقتل بالعبد.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الخازن: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد) (^٣)، وممن قال
_________________
(١) اختلف العلماء في قتل الحر بالعبد فذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم، وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى. وما ذهب إليه أبوحنيفة هو الراجح لأمور منها: قوله ﷺ: " المسلمون تتكافأ دماؤهم "أخرجه أبوداود، كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، ح (٢٧٥١)، وابن ماجة، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، ح (٢٦٨٥/ ٢٦٥٩)، وغيرهما، ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما، والتفاضل في الأنفس غير معتبر بدليل أن الجماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به، ولقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وشريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا، ولأن اعتبار الحرية هنا يؤدي إلى فوات حكمة الردع والزجر فوجب أن يسقط اعتباره. انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٤)، وروح المعاني (٢/ ٤٩)، والمغني لابن قدامة (١١/ ٤٧٣).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٨٤).
(٣) انظر: لباب التأويل (١/ ١٠٧).
[ ١٨٣ ]
به أيضًا: ابن العربي، والرازي، والطوفي (^١)، وجلال الدين المحلي (^٢).
المخالفون:
خالف السعدي في هذا المفهوم من الآية بعض المفسرين، قال أبو السعود: (وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضًا لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ. . .) (^٣)، وممن قال بذلك أيضًا: ابن جرير الطبري، والجصاص، والبيضاوي، والألوسي، والهرري (^٤).
النتيجة:
الآية لا تدل على أن الحر لا يقتل بالعبد؛ فلا اعتبار بعموم مفهوم القيد؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلاّ الاحتراز عن نقيضه، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم، وحينئذٍ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك (^٥)، قال الألوسي: (فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من قتل العبد
بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر
_________________
(١) هو: أبوالربيع، نجم الدين عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري البغدادي، الحنبلي، ولد سنة ٦٥٧ هـ، له تصانيف كثيرة تربو على الأربعين، منها: إبطال الحيل، والآداب الشرعية، والإشارات الإلهية، توفي عام: ٧١٦ هـ انظر: مقدمة كتابه الإشارت الإلهية تحقيق حسن قطب (١/ ١٠١ - ١٥٣).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٧٤)، والتفسير الكبير (٥/ ٤٤)، والإشارات الإلهية (١/ ٣١٣)، وتفسير الجلالين (٣٦).
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم (١/ ١٩٥).
(٤) انظر: جامع البيان (٢/ ١١٠)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٥)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٢)، وروح المعاني (٢/ ٤٩)، وتفسير حدائق الروح والريحان (٣/ ١٣٠).
(٥) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٣٨).
[ ١٨٤ ]
بالعبد والذكر بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون للتخصيص فائدة أخرى، والحديث (^١) بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات المساواة بين حر وحر وعبد وعبد) (^٢).
وقال الشيخ زاده (^٣): (وتقرير الجواب أن الآية إنما تدل على مشروعية القصاص عند تحقق الموافقة بين القاتل والمقتول ذكورة وحرية ولا تدل بمفهومها على انتفاء القصاص عند اختلافهما بحسب الذكورة أو الحرية؛ لأن المفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة سوى الدلالة على انتفاء الحكم عنه عند انتفاء القيد وقد مر أن له فائدة سواها وهي إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه) (^٤).