قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. . . (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨).
٣٠ - قال السعدي - ﵀ -: (وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين). ا. هـ (^١)
الدراسة:
استنبط السعدي من توجيه الخطاب للمؤمنين أنه يجب عليهم التعاون مع ولي المقتول في تنفيذ القصاص وتمكينه من ذلك.
وأشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال البقاعي: (وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذًا لهم بالإقبال عليهم بالخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) (^٢)، وقال الرازي: (يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر) (^٣)، وممن أشار إليه كذلك: حقي، وابن الفرس (^٤).
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٨٤).
(٢) انظر: نظم الدرر (٣/ ٢١).
(٣) انظر: التفسير الكبير (٥/ ٤٢).
(٤) انظر: روح البيان لحقي (١/ ٢٨٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٣).
[ ١٨١ ]
وهذا من الاستنباطات الدقيقة، والنافعة، حيث إن المتأمل للثأرات القبلية، يعلم أن ما يحدث فيها من فتن إنما هو بسبب حماية القاتل وعدم تسليمه للقصاص.
كما أن هذا الاستنباط فيه ضبط لما يستجد الآن من مطالبات لولي المقتول بالتنازل حتى إنه يصبح ملامًا لو لم يستجب، فإذا عُلم أنه يريد القصاص فلا ينبغي الإكثار عليه وإنما ينبغي مساعدته لإقامة القصاص وهذا كله مأخوذ من معنى هذا الاستنباط.
كما أنه فيه قضاء على الجاهلية المنتشرة خصوصًا في المجتمعات القبلية وهي استعياب تسليم الجاني ويعدون هذا من المعايب التي يلامون عليها، بينما هذا الاستنباط يقضي على ذلك ويربط القضية بالإيمان بالله.
كما أن في هذا الاستنباط إشارة إلى حكمة من حكم إقامة القصاص، وهي حفظ الأنفس البريئة التي تذهب في الثارات الجاهلية فإذا تعاون الجميع أولياء القاتل والمقتول على إقامة القصاص كان في ذلك إطفاء لنار الثأر في القلوب والتي عادة يذهب ضحيتها الأبرياء.