منهج الشيخ محمد رشيد رضا -﵀- في تفسير المنار
للشيخ رشيد رضا منهج واضح في تفسيره غايته فهم القرآن ومعرفة أهدافه وأغراضه والانتفاع بها كما أراد الله لهذه الأمة حتى تكون خير أمة أخرجت للناس، وعلى ذلك فالذين يفيدون من القرآن فقها وعلما طائفة خاصة من الناس هم من يقول عنهم صاحب المنار: " إنما يفهم القرآن ويتفقه فيه من كان نصب عينه ووجهه وقلبه في تلاوته في الصلاة وفى غير الصلاة ما بينه الله تعالى فيه من موضوع تنزيله وفائدة ترتيله وحكمة تدبره من علم ونور، وهدى ورحمة وموعظة وعبرة وخشوع وخشية وسنن في العالم مطردة، فتلك غاية إنذاره وتبشيره ويلزمها عقلا وفطرة تقوى الله تعالى بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به بقدر الاستطاعة، فإنه كما قال: (هدى للمتقين) " (^١).
ثم ينعى الشيخ رشيد رضا على المسلمين حظهم بسبب ما اشتملت عليه كثير من التفاسير مما أبعدها عن مقاصد القرآن أساسا فيقول: "كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل قارئه عن مقاصد القرآن العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن به لبحث الإعراب وقواعد النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتظلمين، وتخريجات الأصوليين واشتباكات الفقهاء المقلدين وتأويلات المتصوفين وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات .. نعم إن أكثر ما ذكر من وسائل فهم القرآن، من فنون العربية لا بدّ منها واصطلاحات الأصول وقواعده الخاصة بالقرآن ضرورية أيضا كقواعد النحو والمعاني، وكذلك معرفة الكون وسنن الله تعالى فيه كل ذلك يعين على فهم القرآن" (^٢).
_________________
(١) مجلة المنار (٣١/ ٦٧٣)، تفسير المنار (١/ ٨).
(٢) مجلة المنار (٣٢/ ١٠٢)، تفسير المنار (١/ ٨).
[ ٣٤ ]
ثم يقول: "وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما رُوي في التفسير حجاب (^١) على القرآن وشاغل لنا فيه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول، الفضول للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها إسنادا ولا موضوعا، كما أن المفضلين لسائر التفاسير لهم صوارف أخرى كما تقدم، فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه، وما أنزل لا جله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح، ثم العناية إلى مقتضى حال هذا العصر في سهولة التعبير، ومراعاة إقبال صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها إلى غير ذلك مما تراه قريبا هو ما يسره الله بفضله لهذا العاجز، والناظر في تفسير الشيخ رشيد رضا يجد فيه روح الشيخ الإمام محمد عبده وكلامه وآراءه ووقفاته الكريمة لفهم كتاب الله الحكيم" (^٢).
"لا نستطيع أن نقرر بشكل قاطع، أنَّ للشيخ رشيد رضا منهجًا، وأسلوبًا موحّدًا، اتبعه في كامل تفسيره، لأنه فسّر ما فسّر في مدة تزيد على الثلاثين عامًا (ما بين ١٣١٧ ـ-١٣٥٤ هـ)، وهذه مدة طويلة تمنع على الأرجح أي مفسِّر من اتّباع خطة تفصيلية موحّدة يلتزم بها في كل ما يفسِّره (^٣)، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نستخرج الملامح الرئيسة لمنهجه وأسلوبه في التفسير، والتي إنْ زاد عليها في بعض الأحيان، ولكنه لم يخالفها على الإجمال في كامل تفسيره" (^٤).
ولكن قبل ذكر هذه الملامح العامة، أجد من الضروري، من الناحية المنهجية، ذكر نقطتين مهمتين (^٥):
_________________
(١) عبارات الشيخ محمد رشيد فيها مبالغة، وفيها تجني على ما قام به المفسرون الأوئل، بل إن ما قاموا به له كان أثر في التفسير في كل المجالات، وكل هذه العلوم مجتمعة تعين على فهم القرآن الكريم.
(٢) مناهج المفسرين، منيع بن عبد الحليم محمود ص ٣١٧ - ٣١٩.
(٣) لقد تركت هذه المدة الطويلة التي دُوِّن فيها تفسير "المنار"، وما حدث فيها من تقلبات سياسية، بعض الآثار السلبية عليه، مثل التطويل، والإسهاب، والتكرار، وظهور شيء من النزعة الخطابية في بعض المواضع، انظر: أحمد الشرباصي، رشيد رضا الصحفي، المفسِّر، القاهرة، (مجمع البحوث الإسلامية، ط ١، ١٩٧٧ م) ١٥٢ - ١٥٧.
(٤) مقال قراءة في منهج رشيد رضا، حازم محي الدين، http:// vb.tafsir.net/ tafsir ١٧٨٥٧/ #.VyUjtDArLIU
(٥) المرجع السابق
[ ٣٥ ]
أولهما: كان تفسير المنار في الأصل عبارة عن دروس شفهية، كان محمد عبده يلقيها على جمهور من الطلبة والمثقفين المصريين في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا في الوقت نفسه يقوم بتدوين خلاصة أفكار هذه الدروس في مذكرات خاصة به مدةً من الزمن، ثم بدأ يحرّر هذه المذكرات، ويضيف عليها من كتب التفسير الأخرى، ومن أفكاره الخاصة، ويعرض كل ذلك على عبده ليأخذ موافقته عليه، ويقوم بعد ذلك بنشرها في مجلته المنار ابتداءً من الجزء السادس في المجلد الثالث الصادر في محرم سنة (١٣١٨ هـ)، وابتداءً من هذا التاريخ استمر رضا حتى وفاته بنشر تفسيره على صفحات مجلته "المنار"، علمًا أنه قد بدأ منذ سنة (١٩٠٨ م) بجمع كل ما كان ينشره من التفسير في مجلته في نهاية كل سنة ويعيد نشره في مجلد مستقل (^١)، وأردتُ من ذكر ما سبق الإشارةَ إلى أن اختلاف فئة مُتلقيّ التفسير بين مرحلة عبده (^٢) ومرحلة رضا، وخاصة بعد أن بدأ بنشر تفسيره على صفحات مجلته التي يقرؤها جمهورٌ عريض من المسلمين في معظم بلاد العالم الإسلامي آنذاك، فرض على رشيد رضا أن يستجيب أكثر لحاجات هذه الجماهير العريضة المتعطشة للهداية، والثقة بالدين وأحكامه بأكثر مما فعل عبده، وقد تجلَّت هذه الاستجابة في مظاهر عدة، أهمها ازدياد حضور النزعة الإصلاحية في التفسير، التي ازدادت وضوحًا وجلاءً من خلال الفصول الإصلاحية الاستطرادية الكثيرة (^٣) التي كتبها رشيد، وأدرجها في تفسيره دون أن تكون هناك دائمًا حاجة واضحة لذكرها في المواضع التي ذُكرت فيها في التفسير (^٤)، وكذلك الفصول الاستطرادية العديدة التي عقدها للرد على المبشرين وحملاتهم، وبشكل خاص تلك الفصول التي جعلهم فيها في موقع الدفاع عن النفس عندما هاجم وبكل قوة عقائد الصلب والتثليث والفداء، وكذلك اعتماد رضا أسلوبًا في الكتابة بعيدًا عن لغة التجريد والتنظير، والمصطلحات والمفاهيم الدقيقة التي تعلو عن مستوى عامة قرائه، وفي المقابل سعيه إلى مراعاة السهولة والجمال في التعبير، بحيث يتمكن القارئ المحدود الثقافة والعلم من فهم عباراته، ويقف دون صعوبة على مراده منها، وبذلك استطاع تفسيره أن يحقق الهدف الذي أراده له رشيد رضا منه، وهو أن يتدبَّر القارئ القرآن الكريم، ويهتدي به، ويُعينه على "النهوض بإصلاح أمته، وتجديد شباب ملّته، الذي هو المقصود بالذات منه" (^٥).
_________________
(١) انظر: رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ١٤٥.
(٢) يصف لنا رشيد رضا هوية الفئة التي كانت تحضر دروس محمد عبده بقوله: "هذا وإن درس التفسير في الأزهر كان أحفل الدروس وأنفعها في الدين، والاجتماع، والسياسة، والأدب والبلاغة، وكان يحضره كثير من علماء الأزهر، وأساتذة المدارس الثانوية والعالية، وكبار رجال القضاء الأهلي، وفضلاء الوجهاء، ورجال الحكومة"، تاريخ الأستاذ الإمام، رشيد رضا، (القاهرة، مطبعة المنار، ط ١، ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣١ م) ١/ ٧٦٩.
(٣) ذكر رشيد رضا أن سبب ذكر هذه الاستطرادات هو تحقيق "مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها بما يُثبِّتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحلّ بعض المشكلات التي أَعيَا حلُّها بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس"تفسير القرآن الحكيم" (تفسير المنار) (١/ ١٦).
(٤) كان رشيد رضا يدرك بنفسه هشاشة الصلة بين معظم هذه الفصول، وبين نسيج النص التفسيري الذي أُضيفت إليه، لذلك لم يتردد في القول "وأستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية الطويلة وحدها في غير الوقت الذي يقرأ فيه التفسير"، المصدر السابق، ١/ ١٦.
(٥) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١/ ١٦).
[ ٣٦ ]
ثانيهما: أخبرنا رشيد رضا بنفسه عن منهجه في التفسير بعد أن انفرد في العمل بعد وفاة عبده، قائلًا: "هذا، وإنني لما استقللتُ بالعمل بعد وفاته، خالفتُ منهجه رحمه الله تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة" (^١).
يمكن أن نفهم من هذا النص أنَّ رشيد رضا قام بعد استقلاله بالعمل بتضييق فسحة حرية النظر اللغوي، والعقلي المستقل التي كان يمنحها عبده لنفسه أثناء تفسيره لصالح توسيع دائرة الاعتماد على النصوص الدينية: قرآنًا وسنةً، وعلى أقوال السلف، بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على التفريع الفقهي، والتوسع الكلامي واللغوي. فقال: "كتبنا ما تقدم في تفسير الآية مستعينين على فهمها ببيان سنة رسول الله، وما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول، وذلك شأننا في فهم كتاب الله ﷿، نستعين عليه بما ذكر وبأساليب لغة العرب وسنن الله في خلقه، ثم راجعنا بعد ذلك ما كتبناه في مسألة حل الطعام وحرامه في المجلد السادس من المنار، فرأينا ما كان منه بفهمنا واجتهادنا موافقا لما هنا مع زيادة بيان لحكمة تحريم الميتة، ونقول من كتب مذاهب الفقهاء المشهورة" (^٢).
وتظهر آثار هذا التحول جليَّةً من خلال كثرة نُقولاته، الطويلة أحيانًا، من مصادر التفسير بالأثر، وبشكل خاص: الطبري (ت ٣١٠ هـ)، والبغوي (ت ٥١٦ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ). وكذلك نقله من مصادر التفسير اللغوي، وبشكل خاص تفسير الكشاف (ت ٥٣٨ هـ)، بالإضافة إلى اعتماده على أمهات معاجم اللغة مثل لسان العرب لابن منظور (ت ٧١١ هـ)، ومقاييس اللغة لابن فارس (ت ٣٩٥ هـ)، فضلًا عن اعتماده على معاجم ألفاظ القرآن الكريم، من مثل: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ).
ويمكن لنا أن نقرأ دلالة هذا التحول عند رشيد على أنها محاولةٌ منه لإدراج أفكاره الإصلاحية المعروضة في تفسيره في سياق التراث الإسلامي المعتمد في ميدان التفسير، وبذلك يمكن أن يحصل على شرعية القول الجديد في التفسير بأقل قدرٍ ممكن من معارضة الجمهور العريض، وممثليه من العلماء، وهذا هو الذي حدثَ فعلًا، حيث وجد هذا التفسير قبولًا عامًا عند قرائه، وبذلك يكون رضا قد تحاشى قسمًا كبيرًا من الموجة العاصفة من الاعتراضات، والانتقادات التي قيلت بحق تفسير محمد عبده المستقلّ، والتي حكمت على منهجه بأنه تفسيرٌ بالرأي، وتفسير عقلاني توفيقي، الأمر الذي أدى إلى إقصاء تفسيره من دائرة التأثير العام التي كان يطمح إليها (^٣).
_________________
(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١/ ١٦).
(٢) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٦/ ١٦٢).
(٣) انظر: قراءة في منهج رشيد رضا في تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، وموقف النقاد منه، لحازم محي الدين. http:// www.almultaka.net/ ShowMaqal.php؟ cat=١&id=٦٥٩
[ ٣٧ ]