يقصد بها الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من الآيات القرآنية المتعلقة بأفعال المكلفين من حيث تكليفهم بها (^١).
والمراد بالقواعد الأصولية: "القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
وهذه القواعد نوعان:
قواعد لغوية: كقولنا: اللفظ العام يتناول جميع أفراده قطعا ما لم يخصص، والمشترك بين معنيين أو أكثر لا يراد به إلا معنى واحد، إلى آخر القواعد اللغوية التي اشتمل عليها علم الأصول.
قواعد شرعية: وهي المتعلقة بالأسس التي بنى عليها الشارع أحكامه، والأغراض التي تحقق مصالح العباد، وأن الأحكام الشرعية تقوم على دعامتين: جلب المنافع ودفع المفاسد، وهكذا" (^٢).
وأما القاعدة الفقهية فهي: "الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها" (^٣).
الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقيهة: "إن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط، إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين.
والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه" (^٤).
_________________
(١) انظر آليات الاستنباط عند ابن عاشور ١٤٠.
(٢) أنظر: أصول الفقه الميسر (١/ ١٣).
(٣) الاشباه والنظائر (١/ ١١)، القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين (١٦٢).
(٤) الفروق للقرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق (١/ ٢).
[ ٨٠ ]
ويعد الشيخ محمد رشيد ممن عني عناية فائقة بعلم أصول الفقه، ويظهر ذلك من قوله: "ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها - ومنهم الأئمة الأربعة - كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين - عليهم الرضوان - على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به، ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان ذلك أولى، ثم خلف خلفٌ أعرق منهم في التقليد، فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة، وعدّوا من يحاول فهمهما والعمل بهما زائغا، وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله" (^١).
وقد بلغت استنباطات الشيخ الأصولية قرابة ٤٠ استنباطا من جملة ما تم بحثه.
وتنوعت استنباطاته فشملت المسائل الأصولية اللغوية:
ـ مسألة العموم والخصوص، عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٩]، قال: "خص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها" (^٢) (^٣).
ـ مسالة الأمر أعم من النهي: عند قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٨٨]، قال: "والأمر بالتقوى في هذا المقام أوسع معنى وأعم فائدة من النهي عن الإسراف في آية الأعراف التي أوردناها آنفا " (^٤).
ـ مسألة عطف الخاص على العام: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٨]، قال: "ذكر الأكل مجملا عاما، ثم بين نوعا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٢/ ٦٦).
(٢) انظر تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٢/ ١٠٧).
(٣) وانظر مثال آخر: تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٤/ ١١٨).
(٤) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ٢٥).
(٥) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٢/ ١٦٠).
[ ٨١ ]