(حزن عليه المسلمون ورثاه العلماء والأدباء في جميع الأقطار فلما بلغ نعيه الحجاز رثاه الشيخ يوسف ياسين برثاء مطلعه: (دمعة تلميذ على أستاذه) نشر في جريدة أم القرى عدد ٥٦٠ السنة الثانية عشر الموافق يوم الجمعة عاشر جمادى الثانية سنة ١٣٥٤ هـ.
ونعاه ابن باديس (^٢) فقال: " لقد كان الأستاذ نسيج وحده في هذا العصر فقهًا في الدين، وعلمًا بأسرار التشريع، وإحاطة بعلوم الكتاب والسنّة، ذا منزلة كاملة في معرفة أحوال الزمان وسير العمران والاجتماع، وكفى دليلًا على ذلك ما أصدره من أجزاء التفسير، وما أودعه مجلّة المنار في مجلّداتها التي نيفت على الثلاثين، وما أصدره من غيرهما مثل (الوحي المحمّدي) الذي كان أحبّ كتبه إليه، وإنّ ما كان يقوم به من عمل في تفسير القرآن لا تستطيع أن تقوم به من بعده إلاّ لجنة من كبار العلماء، فهل يكون من رجال الأزهر من يتقدّمون لخدمة الإسلام بتتميم هذا العمل الجليل؟ " (^٣).
_________________
(١) انظر: رشيد رضا الإمام المجاهد، د. إبراهيم العدوي ٢٨٢، مجلة المنار (٣٥/ ١٥٣، ١٥٨، ٢١٥).
(٢) عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي ابن باديس: رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، أصدر مجلة (الشهاب) علمية دينية أدبية، توفي سنة ١٣٥٩ هـ له (تفسير القرآن الكريم) اشتغل به تدريسا زهاء ١٤ عاما، ونشرت نبذ منه ثم جمع تفسيره لآيات من القرآن، باسم (مجلس التذكير)، (آثار ابن باديس)، الأعلام للزركلي (٣/ ٢٨٩).
(٣) آثار ابن باديس (٤/ ١٩٤).
[ ١٨ ]
ورثاه الشاعر محمد الهراوي (^١) فقال:
(أي صرح هوى وحصن حصين ولواء طوته أيدي المنون
يا غريب الديار لم تفقد الأهل فما مصر غير أم حنون
جئتها عالمًا وطالب علم فتلقتك في الحشى والعيون) (^٢).
قالوا عنه:
قال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (^٣) -﵀-: "تأثرتُ بمنهاج الشيخ محمد رشيد رضا -﵀- لأنهُ جيدٌ في عقدِ المسائل، وفي إتحافِهِ الفكريِ، وإن كان عليه بعض ما أخطأ فيه ولا أحد يسلَم إلا المعصومُ" (^٤).
وقال المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (^٥) -﵀-: "السيد محمد رشيد رضا -﵀- له فضل كبير على العالم الإسلامي، بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بوساطة مجلته المنار" (^٦).
_________________
(١) محمد بن حسين ابن الدكتور محمد الهراويّ: شاعر مصري. انفرد بنوع من النظم السهل، ابتكره للأطفال يحفظونه ويتناشدونه في مدارسهم وبيوتهم، وأنشأ (مجلة الرسول) وله كتيبات لطيفة، منها (السمير الصغير - ط) و(الطفل الجديد - ط)، توفي سنة ١٣٥٨ هـ الأعلام للزركلي (٦/ ١٠٦).
(٢) محمد رشيد رضا (ص: ٢٢) مجلة المنار (٣٥/ ١٥٣، ١٥٨، ٢١٥).
(٣) محمد بن صالح العثيمين، ولد في عنيزة عام ١٣٤٧ هـ، ونشأ بها، تعلم القرآن على يد جده لأمه، والتحق بإحدى المدارس، فحفظه في سن مبكرة ومختصرات المتون في الحديث والفقة، ودرس علي يد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، له شرح ثلاثة الأصول، والشرح الممتع في الفقه، تفسير ابن عثيمين، وغيرها، توفي ١٥ شوال سنة ١٤٢١ هـ في جدة ودفن في مكة المكرمة.
(٤) شريط: رحلة الشيخ في طلب العلم، وأذيع هذا اللقاء في البرنامج العام في الإذاعة السعودية ١٥/ ١٠/ ١٤٠٣ هـ.
(٥) ولد في أشقودرة، عاصمة ألبانيا عام ١٩١٤ م، في أسرة متدينة، هاجرت إلى بلاد الشام فرارا بدينها، وفيها درس وتلقى بعض العلوم الدينية والعربية على يد بعض الشيوخ من أصدقاء والده، وأخذ إجازة في الحديث، وإليه انصرفت همته، له مختصر في الشمائل المحمدية، وصفة صلاة النبي -ﷺ-، وشرح العقيدة الطحاوية، وغيرها، توفي عام ١٤٢٠ هـ في عمان، انظر: حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه.
(٦) حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، محمد إبراهيم الشيباني، ط: الأولى ١٤٠٧ هـ، مكتبة السدَّواى، ١/ ٤٠٠.
[ ١٩ ]
ويقول أيضًا: " فإذا كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل لذوي الفضل، فأجد نفسي بهذه المناسبة الطيبة مسجلًا هذه الكلمة، ليطلع عليها من بلغته، فإنني بفضل الله ﷿ بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولًا وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانيًا يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا ﵀ عن طريق أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم" (^١).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر (^٢) -﵀-: "ونبغ من تلاميذه -يقصد الشيخ محمد عبده- والمستفيدين منه ابنه وخريجه أستاذنا العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب (المنار) فلخص للناس دروس الأستاذ الإمام، وزادها وضوحًا وبيانًا، ونشرها في مجلته الزاهرة المنيرة، وجمعها في أجزاء على أجزاء القرآن الكريم، ومضى لطيته بعد انتقال الإمام إلى جوار ربه، فكأنه أُلهم من روحه، لم يكل ولم يضعف، وها هو الآن قد أتم منه أجزاء تسعة، وكثيرًا من العاشر، فكان تفسير أستاذنا الجليل خير تفسير طُبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنه هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح -إذ هو كتاب هداية عامة للبشر- لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين، ثم هو يُظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله، ولقد عرض لكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين فأفسدت على كثير من شبابهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلًا دقيقًا وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنه دين كل أمة في كل عصر، ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقه به الجاهلون أو دسه المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة ليضموهم إلى صفوفهم وينزعوهم من أحضان أمتهم، وإنه لكتاب العصر الحاضر، يفيد منه العالم والجاهل، والرجعي والمجدد، بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين، وأنا أرى من الواجب على كل مَن عرف حقائق هذا التفسير أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته والاستفادة منه، وبث ما فيه من علم نافع لعل الله أن يجعل منهم نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة، ولو كانت حكومتنا حكومة إسلامية حقيقة لطلبنا منها أن يُدرس في مدارسها ومعاهدها حق الدرس، ولكنا نعلم أنها لا تلقي للدين بالًا، بل لا تدفع عنه مَن أراد به عدوانًا، والطامة الكبرى أنها تحمي مَن يعتدي عليه بقوانينها الوضيعة، فلم يبق للمسلمين رجاء إلا أن يعملوا أفرادًا وجماعات في سبيل الدفاع عنه، وإظهار محاسنه للناشئة التي تكاد تندُّ عنه، وهم عماد الأمم" (^٣).
_________________
(١) المرجع السابق ١/ ٤٠٠.
(٢) (١٣٠٩ - ١٣٧٧ هـ) أحمد بن محمد شاكر بن احمد بن عبد القادر، من آل علباء الحسيني (شمس الدين، أبو الاشبال) محدث، مفسر، فقيه، أديب، حقق ونشر عددا من كتب الحديث والفقه والأدب، وتوفي بالقاهرة، من آثاره: نظام الطلاق في الأسلام، الشرع واللغة، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، معجم المؤلفين (١٣/ ٣٦٨).
(٣) مجلة المنار، مقال تفسير القرآن الحكيم، الكاتب: خادم السنة أحمد شاكر (٣١/ ١٩٣).
[ ٢٠ ]