انتهج الشيخ رشيد نهج شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده، فلا تقيد بأقوال المفسِّرين، ولا خوض في إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات بأسلوب رائع، وكشف عن المعاني بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أُثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله في خليقته.
[ ٣٨ ]
ومن ذلك ما قال عند آخر آية فسرها الشيخ محمد عبده: "هذه الآيات كانت آخر ما فسره شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الجامع الأزهر، فرضي الله عنه وجزاه عن نفسه وعنا خير الجزاء، وسنستمر في التفسير على هذه الطريقة التي اقتبسناها منه إن شاء الله تعالى، وإن كنا محرومين في تفسير سائر القرآن من الفوائد والحكم التي كانت تهبط من الفيض الإلهي على عقله المنير إلا في الجزء الثلاثين، فإنه كتب له تفسيرا مختصرا مفيدا، وكان فراغه من تفسير هذه الآية في منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ هـ، وقد توفي شهر جمادى الأولى منها رحمه الله تعالى ونفعنا به، وكتبت تفسير هذه الآيات في مدينة بمبى أو (بومباي) من ثغور الهند في غرة ربيع الآخر سنة ١٣٣٠ هـ والله أسأل أن يوفقني لإتمام هذا التفسير، إنه على ما يشاء قدير" (^١).
ولكنَّا نجد الشيخ محمد رشيد رضا -﵀- يحيد عن هذا المنهج بعض الشيء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويُحدِّثنا هو بذلك فيقول: "وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه - رحمه الله تعالى - بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنَّة الصحيحة، سواء أكان تفسيرًا لها، أو في حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللُّغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوى حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس" (^٢).
ولعل من أسباب توسعه في المسائل الاجتماعية ما أتاحته له الصحافة من معرفة بالناس على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وفيهم المتدين، والملحد والكافر، فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع، فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام، لعل الكافر أن يثوب إلى رشده ويرجع عن كفره (^٣).
كان الشيخ عبده يطلع على ما سينشر، بعد التصفيف في المطبعة وقبل الإخراج فربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات، على أن صاحب المنار لم يكن يتحرى حكاية أو تلخيصًا لما يقوله الأستاذ الإمام، بل كان يكتب ما يجده في نفسه من إدراك لمعنى الآية بما ثار في فكره، أو انساق إليه علمه مما يوضح معنى الآية، ويحتفل لإيراد ما اختص ببيانه الأستاذ من المعاني المبتكرة المستجدة، فيعزو ذلك إليه صراحة.
_________________
(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٢) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١/ ١٦).
(٣) انظر: التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبى (٥/ ٣٩) بتصرف.
[ ٣٩ ]
وكان الأستاذ الإمام يطلع على ذلك كله ويقره لما كان حيًا، ومنذ أن توفى الأستاذ الإمام، واستمرت مجلة المنار تنشر دروس التفسير التي كان ألقاها في حياته، أصبح التحرير واضحًا في التفرقة بين ما هو منقول عنه وبين ما هو من بيان الكاتب، ثم لما انتهى النشر إلى حيث أدركت الوفاة الأستاذ الإمام، استقل الشيخ رشيد بأعباء التفسير وحده فأكمل منه إلى نهاية الجزء الثاني عشر عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ﴾ [سورة يوسف: ٥٢].
فكان ما كتبه الشيخ رشيد، مستقلًا، أكثر من سبعة أجزاء، وما كتبه اعتمادًا على أستاذه واستمدادًا منه، أقل من خمسة أجزاء فكان حظه في المجموع أغلب، وكان بانتساب هذا التفسير إليه أحق، نعم إن روح التفسير اختلفت في بعض عناصرها، بين ما كان يكتب منه في حياة الأستاذ الإمام، وما كتب بعده مما استقل به الشيخ رشيد، وذلك الاختلاف يبدو جليًا في العنصر الذي يعبر عنه الشيخ رشيد بـ (الأثري).
فقد رأينا أن التكوّن الأصلي للشيخ رشيد كان نقليًا أثريًا، على طريقة المتقدمين، مختلفًا في ذلك عن التكوّن الأصلي للسيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، إذ كان تكوّنهما بحثيًا نظريًا، على طريقة المتأخرين، فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتمامًا للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها، وكان الشيخ رشيد، بما امتزج بالأستاذ الإمام روحيًا وفكريًا، قد تأثر بهذا المنهج، وساير الأستاذ الإمام عليه فيما اقتبسه من الدروس التي ألقاها الأستاذ الإمام وكان ببيانه مفتتح البحث فيها وممهد المداخل إليها، حتى صرح في المقدمة بأن: "أكثر ما روي في التفسير بالمأثور حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية"، ولكن لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة العمل من مبدئه، وأصبح معتمدًا على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منها ويترك حسب منهجه العلمي، بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به، فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري، والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى، على ما يؤلف بين اللاحق والسابق من حيث القصد والأسلوب، فيما عدا هذا العنصر الأثري.
وقد أثبت الشيخ رشيد بنفسه هذا المعنى في المقدمة، ولكن مع ما اختلف بين الطرفين في المنهج العلمي، فإن الغاية بقيت متحدة، والروح بقيت متحدة كذلك، بحيث إن (تفسير المنار) في جملته يعتبر تفسيرًا ذا منهج مطرد، وأفكار متناسقة، وهذا المنهج المطرد قد يقع الاتجاه إليه من مسالك البحوث الأصلية النظرية أحيانًا، وقد يقع الاتجاه إليه من مسالك النقول الأثرية تارات أخرى، فإذا وصلت هذه المسالك أو تلك بمحرر التفسير إلى المنهج المخطط للسير، التزمه واستقام عليه، حتى يصل منه إلى نتائج البحث المتلاقية في غاياتها وروحها، مع ما كان انتهى إليه من نتائج في بحوث أخرى عند آيات أخرى على ذلك المنهج نفسه، فبرزت من مجموع ذلك الوحدة التي جعلت من تفسير المنار مداد روح النهضة الإسلامية الحديثة وقوام التفكير الإسلامي المجدد، في هذا القرن الرابع عشر (^١).
_________________
(١) انظر: التفسير، ورجاله للفاضل الطاهر بن عاشور (ص: ١٥١ - ١٥٤).
[ ٤٠ ]