أولا: كثرة التفريعات والاستطرادات الطويلة التي تشبه البحوث المستقلة، والتي توجد فجوات واسعة، تحول دون متابعة التفسير، ورشيد نفسه يشير إلى هذه الاستطرادات (^٥)، وعقد فصل في عقيدة التثليث (^٦)، ويقول: "واستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية وحدها في غير الوقت الذي يقرأ فيه التفسير" (^٧).
_________________
(١) انظر، الإنسان والقرآن: التفاسير القرآنية المعاصرة، قراءة في المنهج، أحميدة النيفر، ٧٦.
(٢) قراءة في منهج رشيد رضا في تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) وموقف النقاد منه، لحازم محي الدين، ملتقى أهل التفسير.
(٣) رشيد ودعوته ص ١٦٣.
(٤) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
(٥) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
(٦) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٦/ ٧٣ - ٨٠).
(٧) تفسير المنار (١/ ١٦).
[ ٥٦ ]
ثانيا: الأسلوب الخطابي الذي يبدو أحيانا في تفسير المنار ولعل رشيدا نفسه قد أحس بهذا اللون الخطابي الذي يفتح الباب للتطويل والإسهاب، فعمد إلى اختصار تفسير المنار في أجزاء موجزة تحت عنوان: التفسير المختصر المفيد الذي يمكن أن يزداد علمنا بأمره عند الحديث عن كتب رشيد رضا (^١).
ثالثا: عدم الاستقرار أحيانا في التفسير، ومن أمثلة ذلك أنه تكلم عن السبب في عدم نزول: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول سورة التوبة فقال: "ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين وبُدئت بنبذ عهود المشركين وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزل فيما قبلها من أحكامه"، فنفهم من هذا أن عدم ذكر البسملة هو أن السورة منذرة وليست موطنا داعيا إلى التحدث عن الرحمة التي ذُكرت كثيرا في القرآن، ولكن رشيدا يعود في الجزء العاشر من التفسير إلى الحديث في الموضوع فلا يجعل هذا القول هو المختار، بل يقول عن سورة التوبة: "ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من سور القرآن، هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل: رعاية لمن كان يقول أنها مع الانفال سورة واحدة والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر"، ففي الموطن الأول يلوّح لنا أن رشيدا قد اختار الرأي القائل بأن سورة التوبة حُذفت منها البسملة لأنها إنذار وتشريع قتال، وفي الموطن الأخير يرى أن المعتمد المختار غير ذلك، وكلمة المشهور التي ذكرها لا تقطع بأن هذا هو المعتمد، فقد يكون هناك قول مشهور، ومع ذلك لا يكون هو المعتمد المختار (^٢).
ومن أمثلة ذلك أيضا أنه تحدث في الجزء الأول من التفسير عن اسم الله الأعظم فقرر أن اسمي الحي والقيوم هما مع اسم الجلالة الله: "ما يعبر عنه بالاسم الأعظم وهو القول الراجح عندنا"، لكنه حينما بلغ تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] في الجزء الثالث قال كلاما لا يفيد تأكيده لما سبق أن قرره، أنه قال: "وهذا الذي قلناه في بيان معنى (الحي القيوم) يجلّى لمن وعاه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن هذا هو الاسم الأعظم، أو قال (أعظم أسماء الحي القيوم)، وقد أخرج أحمد وأبو دواد والترمذي وابن ماجه، عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ أن قال: (اسم الله الأعظم) في هاتين الأيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ وفاتحة آل عمران ﴿ألم (*) الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ " (^٣) هو في الموطن الأول صرح بأن الاسم الأعظم يتكون من ثلاثة أسماء: "الله، الحي، القيوم" ولكنه في الموطن الأخير لم يصرح بذلك، بل أفهمنا أن الاسم الأعظم يتكون من اسمين هما الحي القيوم، وإن كنا نستطيع أن نستنبط من الشواهد التي ذكرها الأسماء الثلاثة التي يتكون منها الاسم الأعظم (^٤).
_________________
(١) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
(٢) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
(٣) تفسير المنار (٣/ ٢٤).
(٤) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
[ ٥٧ ]
رابعا: العجلة أحيانا في كتابة التفسير وعدم التهيؤ الكامل لصياغته بإتقان وإحسان وكل لون من ألوان الكتابة قد تحتمل فيه العجلة إلا كتاب الله العلي الأعلى فإنه يلزمه التدبر والاستعداد والتفرغ عند كتابة تفسيره (^١).
ورشيد كما يحدثنا كان يكتب التفسير أحيانا وهو على سفر وهو مثلا يقول في حديثه عن رحلته إلى الحجاز: "وتأخرت عنهم لإتمام ما كنت بدأت من كتابة نبذة من التفسير للمنار، لإرسالها مع البريد من جدة مع كتابة ما لا بد من كتابته إلى مصر"، وأغرب صور العجلة وقلة الاستقرار في كتابة رشيد للتفسير هو ما فعله في الجزء الخامس من تفسير المنار مما ترشدنا إليه عبارة ختم بها هذا الجزء وفيها يقول: "تم الجزء الخامس من التفسير وقد نُشر في المجلد الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من المنار، بدأت كتابة هذا الجزء وأنا في القسطنطينية سنة ١٣٢٨ هـ، ففاتني تصحيح ما طبع منه في أُثناء رحلتي تلك، وأتممته في أثناء رحلتي هذا العام ١٣٣٠ هـ إلى الهند، ومنه ما كتبته في مسقط والكويت والعراق، وقد أتممته في المحجر الصحي بين حلب وحماة، في أوائل شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف، ونشر آخره في جزء المنار الذي صدر في آخر رمضان، ولم أقف على تصحيح شيء مما كتبته في هذه الرحلة أيضا" (^٢).
لعل رشيدا أراد أن يلتمس لنفسه الأعذار فيما يحدث من تقصي أو من هفوات الطبع، ومهما يكن الدافع فتفسير كتاب الله ينبغي له التفرغ والاستقرار.
ولا يستطيع عارف بقدر كتاب الله تعالى أن يرتضي خطة رشيد في كتابته التفسير التي يقول عنها: "وإننا نكتب التفسير دائما في وقت ضيق ونعطي ما نكتبه للمطبعة من غير قراءة ولا مراجعة، ثم لا نراه إلا عند تصحيح ما يُجمع في المطبعة وكلما جُمع شيء يُطبع، وإن لم تتم كتابة ما يتعلق به" (^٣).
خامسا: انتقال تفسير المنار من مختصر إلى متوسط إلى طويل، فرشيد يذكر في نهاية تفسير الفاتحة المنشور في الجزء الأول من تفسير المنار أن غرضه الأول من كتابة تفسير الفاتحة ونشره في مجلة المنار كان بيان ما يستفيده من دروس شيخه الأستاذ الإمام (محمد عبده) مع شيء مما يفتح الله به عليه في إيجاز (^٤).
فاختصر فيما كتبه أولا، ولما طبع تفسير الفاتحة على حدته زاد فيه بعض الزيادات وكان قد بدا له أن يجعل هذا التفسير مطولا مستوفى ولما بدأ طبع الجزء الأول من التفسير وانتهى من طبع الصفحات الخاصة منه بتفسير الفاتحة عززه بفوائد ألحقها بآخر تفسير هذه السورة.
_________________
(١) مقال أحمد الشرباصي ١٥٣ - ١٦٠
(٢) تفسير المنار (٥/ ٣٨٧).
(٣) رشيد ودعوة محمد بن عبد الوهاب ١٦٢.
(٤) المصدر السابق.
[ ٥٨ ]
ولقد صرح رشيد في مواطن أخرى بأنه بدأ تنقيحا وإضافة على التفسير بعد نشره في المجلة مثل أن يقول: "وبعد أن طبع تفسير تلك الآية في المنار نقحناه، وزدنا فيه فوائد أثبتناها في نسخة التفسير التي تطبع على حدتها" (^١)، ولو أن رشيدا كان في هذه التغييرات يسير على نظام محدد واضح لهان الخطب ولكنه تارة يضع الإضافة في وسط الكلام، وتارة يضعها في الهامش وتارة يجعلها في آخر الموضوع وتارة يجعلها في نهاية الجزء مع استدراكات أخرى … إلخ (^٢).
سابعا: عدم الثبات على طريقة في التأليف: فقد تقلب الشيخ في كتابة التفسير إلى أربعة ألوان؛ فهو أولا كان يختصر، ثم أخذ يزيد ثم أخذ يطول ثم قام بالاختصار لهذا التطويل، كل هذا يدل على عدم استقرار رشيد على طريقة واحدة في تأليفه لتفسير المنار، وهو أمر يفقد هذا التفسير شيئا من مكانته وقدره (^٣).
ثامنا: الشدة في الدعوة إلى رأيه والتمسك به، فقد عدّ بعض الباحثين (^٤) من مآخذ رشيد رضا في تفسير المنار تعصبه لرأيه في استنباط الأحكام، وإن خالف جمهور الفقهاء، ومع إبداء رأيه يشتد في الحملة العنيفة على المخالفين له، ويضربون مثالا واحدا على ذلك بما قرره في تفسيره لآية التيمم في سورة النساء من أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه ولا علة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافرا، وهو رأي مخالف لجمهور فقهاء المسلمين، ويشن حملة على مخالفيه، فيقول: "نعم إن الآية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز، ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا" (^٥)، ثم يقول: "ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن" (^٦). …
تاسعا: نقله عن أهل الكتاب (^٧)، ونقله عن بعض العلماء الغربيين، مثل دارون (^٨)، وعقده فصل في مباحث تتعلق بمسألة الصلب (^٩). ومن ذلك قوله: "وأقول: إن استقامة بعض أهل الكتاب على الحق من دينهم لا ينافي ما حققناه في تفسير التوراة والإنجيل في أول السورة من ضياع بعض كتبهم وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها، فإن من يعرف من المسلمين بعض السنة ويحفظ بعض الأحاديث النبوية فيعمل بما علم مستمسكا به مخلصا فيه، يقال: إنه قائم بالسنة السنية عامل بالحديث النبوي، وإن كان بعض الأحاديث قد نقل بالمعنى وبعضها ضعيف أو موضوع وبعض الناس كالحشوية حرفوها بل حرفوا بعض آيات القرآن تحريفا معنويا ليدعموا بها مذاهبهم وآراءهم، أما قوله تعالى: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون فمعناه على القول بأن المراد بهم من دخل في الإسلام ظاهرا، وعلى القول الآخر المختار أنهم يتلون ما عندهم من مناجاة الله ودعائه له والثناء عليه ﷿، وهي كثيرة في كتبهم لا سيما زبور (مزامير) داود -﵇-، كقوله في المزمور السادس والثلاثين: ([٥] يا رب في السماوات رحمتك أمانتك إلى الغمام [٦] عدلك مثل جبال الله وأحكامك لجة عظيمة، الناس والبهائم تخلص يا رب [٧] ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظل جناحيك يحتمون [٨] يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمتك تسقيهم [٩] لأن عندك ينبوع الحياة، بنورك نرى نورا [١٠] أدم رحمتك للذين يعرفونك وعدلك للمستقيمي القلب [١١] لا تأتيني رجل الكبرياء ويد الأشرار لا تزحزحني [١٢] هناك سقط فاعلو الإثم دحروا فلم يستطيعوا القيام"، وقوله في المزمور الخامس والعشرين: " [١] إليك يا رب أرفع نفسي [٢] يا إلهي عليك توكلت فلا تدعني أخزى، لا تشمت بي أعدائي [٣] أيضا كل منتظريك لا يخزوا، ليخز الغادرون بلا سبب [٤] طرقك يا رب عرفني، سبلك علمني [٥] دربني في حقك وعلمني، لأنك أنت إله خلاصي، إياك انتظرت اليوم كله [٦] أذكر مراحمك يا رب وإحساناتك لأنها منذ الأزل هي [٧] لا تذكر خطايا صباي ولا معاصي، كرحمتك اذكرني أنت من أجل جودك يا رب". وأمثال هذه الأدعية والمناجاة كثيرة جدا وإذا رآها العربي البليغ غريبة الأسلوب فليذكر أنها ترجمة ضعيفة وأن قراءتها بلغة أهل الكتاب أشد تأثيرا في النفس من قراءة ترجمتها هذه" (^١٠).
_________________
(١) مجلة المنار (١٣/ ٢٢).
(٢) رشيد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) رشيد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١٦٢ - ١٦٣.
(٤) حبيب السامرائي ٤٣٩.
(٥) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٥/ ٩٨).
(٦) تفسير المنار (٥/ ٩٨).
(٧) صواعق من نار على صاحب المنار للشيخ يوسف الدجوي الحنفي
(٨) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٤/ ٦٤)
(٩) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٦/ ٢٠ - ٤٨).
(١٠) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٤/ ٦٠).
[ ٥٩ ]
عاشرا: استخدامة لعبارات فيها تنقص لبعض الأئمة، ومن ذلك قوله: "وقد علمت أن اللفظ يفيد العموم وهو الذي تقتضيه الحكمة وتتم به المصلحة، وإنما بين الأستاذ ما قصر فيه غيره من المفسرين" (^١).
وقال في حق الإمام ابن جرير (^٢): "قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الأول، وهو أن قوله: (إلا ما ذكيتم) استثناء من قوله: (وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع) .. ثم أورد ابن جرير سؤالا وأجاب عنه، فقال: فإن قال لنا قائل: فإذا كان ذلك معناه عندك فما وجه تكريره ما كرر بقوله: وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله: حرمت عليكم الميتة؟ وقد علمت أنه شامل كل ميت كان موته حتف أنفه من علة به غير جناية أحد عليه؟ أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع، وهلا كان قوله - إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيا به تحريمه إذا تردى، وقد أخطأ ابن جرير في سياقه هذا بما ذكر من العلة، وبالتعبير فيه بلفظ الذبح بدل لفظ التذكية الذي هو تعبير القرآن، والتذكية أعم من الذبح كما سيأتي، وقد ثبت أن المتردية في بئر إذا طعنت في أي جزء من بدنها، فكان ذلك هو المتمم لموتها عد تذكية، وحل أكلها، وما هو بالذي يجهل هذا، ولكن الاستعمال الغالب ينسي الإنسان غيره أحيانا فيعبر به وقد يريد به المثال، ثم إن ذلك من الميتة، وهي أخص من عبارته هو" (^٣).
وقال عن الرازي (^٤): "وأقول: إن هذا الذي ذكره الرازي على طريقة المعتزلة تعليل حسن لمغفرة الله تعالى لأهل بدر ما يحتمل أن يقع منهم من الذنوب، وهو موافق لمذهب أهل السنة، ونصوص القرآن في تغليب الحسنات على السيئات، ولكنه لا يتجه في تفسير الآية وما ذكره على مذهب الأشعرية مثله في هذا فما اعتمده أضعف مما رده وأبطله" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٥/ ٨).
(٢) محمد بن جرير بن كثير بن غالب الطبري، الإمام أبو جعفر، رأس المفسرين على الإطلاق، أصله من طبرستان، وله التصانيف العظيمة منها: جامع البيان عن تأويل أي القرآن، وهو أجل التفاسير لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء، توفي ٣١٠ هـ. انظر: طبقات المفسرين السيوطي ٨٢، الأعلام ٦/ ٦٩.
(٣) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٦/ ١١٧ - ١١٦).
(٤) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، الإمام فخر الدين الرازي القرشي البكري، الشافعي المفسر المتكلم، ولد سنة ٥٤٤ هـ، كان من تلامذة محيي السنة البغوي، كان فريد عصره ونسيج وحده، شهرته تغني عن استقصاء فضائله، وتصانيفه في علم الكلام والمعقولات سائرة، وله: التفسير الكبير، والمحصول في أصول الفقه، وغيرها. توفي ٦٠٦ هـ. طبقات المفسرين ١١٥، الأعلام ٦/ ٣١٣.
(٥) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٠/ ٨٠).
[ ٦٠ ]
وقال عن الزمخشري (^١): "هذا وإن بعض المفسرين ولا سيما الزمخشري قد أساءوا الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسوله -ﷺ- في هذه الآية، وكان يجب أن يتعلموا منها أعلى الأدب معه صلوات الله وسلامه عليه، إذ أخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب، وهو منتهى التكريم واللطف" (^٢).
وقال في حق الإمام أبي السعود (^٣): "ولكن أبا السعود تنطع في التأويل فذهب إلى أن الإنذار هنا موجه إلى من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم المجوزون منهم للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين، أو في شفاعة الأصنام كالآخرين، أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا، والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام، فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم، وقد قيل: هم المفرطون في الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته، كما ستقف عليه " (^٤).
وقال في حق الإمام الألوسي (^٥): "وقد نقل السيد الألوسي في "روح المعاني" كلاما ركيكا في الفرق بين الاستعمالين عزاه إلى الدرة، وقال في آخره: قاله مولانا شهاب الدين فليفهم، وهو أمر بما لا يستطاع من فهم ذلك الكلام المضطرب المبهم، والذي يظهر لنا في نكتة ذلك أن تقديم اللعب على اللهو لا يحتاج إلى تعليل؛ لأنه الأصل المقدم في الوجود، وقد فصلت آية الحديد متاع الحياة الدنيا بحسب ترتيبه الذي تقتضيه الفطرة البشرية، فقدم فيها اللعب لأن أول عمل للطفل يلذ له هو اللعب المقصود عنده لذاته" (^٦).
_________________
(١) محمود بن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشري الخوارزمي، المعتزلي، النحوي اللغوي المتكلم المفسر يلقب بجار الله لأنه جاور بمكة زمانًا، وقد كان ممن برع في الأدب والنحو واللغة، لقي الكبار، وصنف التصانيف التي منها؛ الكشاف في التفسير، وأساس البلاغة، وغيرها. ت: ٥٣٨ هـ. طبقات المفسرين للداودي ١٧٢ - ١٧٣، الأعلام ٧/ ١٧٨.
(٢) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٠/ ٤٠٢).
(٣) محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، المولى أبو السعود: مفسر شاعر، من علماء الترك المستعربين. ولد بقرب القسطنطينية (٨٩٨ هـ)، ودرس ودرس في بلاد متعددة، وتقلد القضاء، صاحب التفسير المعروف باسمه وقد سماه (إرشاد العقل السليم إلى مرايا الكتاب الكريم) ومن كتبه (تحفة الطلاب) في المناظرة، توفي (٩٨٢ هـ)، انظر: طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٣٩٨)، الأعلام للزركلي (٧/ ٥٩).
(٤) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ٣٦١).
(٥) محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء: مفسر، محدث، أديب، من المجددين، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها (١٢١٧ - ١٢٧٠ هـ)، من كتبه (روح المعاني) في التفسير وغيرها، انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ١٧٦)، هدية العارفين (٢/ ٤١٨).
(٦) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ٣٠٥).
[ ٦١ ]
وتكلم عن بعض المفسرين وذكر أقوالهم، فمثلا عند تفسير: (فلا تركنوا) ذكر ١١ قول للمفسرين، فقال (^١): (نموذج من قصور أقوال المفسرين وغلطهم وتقليدهم في تفسير الآية: الروايات المأثورة والمعتمدون عليها:
روى الإمام ابن جرير عن ابن عباس ﵄، أنه فسر الآية بالركون إلى الشرك، (وهو أقوى ما روي فيها)، وروي عنه تفسيره بالميل وأنه قال: لا تميلوا إلى الذين ظلموا.
وروى عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم - ولا تركنوا - لا تذهبوا، وهو ليس تفسيرا بالمعنى اللغوي، ولا يظهر المراد الشرعي منه إلا بقرينة ما قبله إن جمع بينهما بإرادة المشركين الظالمين للمؤمنين.
وما قاله ورواه حق في نفسه ولكنه لا يحيط بمعنى الآية، وما كانت تلك الروايات إلا كلمات مجملة وجيزة ذكرت بالمناسبة لا يقصد تحقيق معنى الآية في لغتها وأسلوبها وموقعها من العبرة بقصص الرسل مع أقوامهم الظالمين، وقال مثله كل من البغوي وابن كثير فإنهما يعتمدان على المأثور قل أو كثر.
(٢) قال أبو بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ في تفسيره (أحكام القرآن): والركون إلى الشيء: هو السكون إليه والمحبة، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم، وهو مثل قوله تعالى: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) ٦: ٦٨، وقد أبعد كل البعد، وإنما هو فقيه لا لغوي ولا مفسر عام.
(٣) قال الزمخشري المعتزلي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ في كشافه بعد ذكر القراءات في الآية: والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله: (ولا تركنوا)، فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله: (إلى الذين ظلموا)، أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين، انتهى المراد منه، وذكر بعده حكاية صلاة الموفق خلف الإمام الذي قرأ الآية فغشي عليه وتقدمت، وموعظة بليغة وعظها للزهري أحد إخوانه من عباد السلف وزهادهم، أقول: كل ما أدغمه في النهي عن الركون إلى الذين ظلموا قبيح في نفسه لا ينبغي للمؤمن اجتراحه، وقد يكون من لوازم الركون الحقيرة، ولكن لا يصح أن يجعل شيء منه تفسيرا للآية مرادا منها والمخاطب الأول بها رسول الله ﷺ والسابقون الأولون، إلى التوبة من الشرك والإيمان معه، ثم نقل كلام ابن العربي واعقبه بقوله: وقد أصاب المعنى اللغوي والمأثور دون فقه الآية، وتبعه القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ في تفسيره جامع أحكام القرآن فنقل كلامه بدون عزو إليه ولم يزد عليه، ثم ختم: أختم هذه النقول بما أورده السيد محمد صديق حسن خان نائب ملك بهوبال (الهند) المتوفى سنة ١٣٠٧ هـ وفي تفسيره (فتح البيان في مقاصد القرآن) الذي أودعه تفسير أستاذه القاضي الشوكاني المسمى (بفتح القدير) وزاد عليه، فكان ما أورده عنه مغنيا عن أصله، فقد اتفق المفسران على تخطئة الزمخشري ومن تبعه في تفسير الركون بالميل اليسير، وأوردا بعض ما قاله رواة التفسير واللغة في معناه مخالفا له، مما نقلناه وزنا عليه، وانفردنا بتحقيق معناه دونهم ودونهما، ثم انفردا بالبحث الآتى بنصه، قال: "وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية، هل هي خاصة بالمشركين أو عامة؟ فقيل: خاصة، وأن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وأنهم المرادون بـ (الذين ظلموا) وقد روي ذلك عن ابن عباس، وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) أ. هـ (^٢).
_________________
(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٢/ ١٤٢ - ١٤٨).
(٢) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٢/ ١٤٢ - ١٤٨).
[ ٦٢ ]