أما بالنسبة للسنة، فإنني أرى أن احتياجات عصرنا في شأنها مجموعة أمور:
١ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطا شكله مشروحا غريبه.
٢ - والمسلم غير المتخصص بالحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر- دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته- أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.
٣ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أن يفهم السنة فهما صحيحا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.
٤ - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ﷿، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.
[ ١ / ١٢ ]
وقد كنت أحس بضرورة وجود الكتاب الذي يخدم في هذه الشئون، وغيرها مما رأيناه وسنراه، ولكن ما العمل؟ ولم أكن أستطيع وخاصة في المراحل الأولى من سجني أن أصل إلى أي كتاب إلا بصعوبة شديدة، ومن ثم لم أكن أطمع في أن أقدم خدمة مستوعبة في شأن السنة تحقق كل الأمور التي أعتبرها احتياجات عصرنا، كما لم يكن بإمكاني أن أقدم التحقيق المناسب الذي يخدم أغراض هذه الاحتياجات، ومن ثم فقد رأيت أن أعمل بقدر المستطاع المتاح، مما سنرى حدوده في مقدمة الكلام عن القسم الثاني من هذه السلسلة، وهو بفضل الله كثير طيب. هذه مجمل أمور في شأن الكتاب والسنة أعتبرها من احتياجات عصرنا، وأرجو أن أكون قد قدمت خدمة لا بأس بها فيها ويأتي القسم الثالث ليضع الأساس في ضبط مسار الفهم.
ولئن كان المشتغلون قديما في خدمة الكتاب والسنة يفترضون في الغالب أنهم يخاطبون إيمانا كاملا، وبالتالي فإنهم لا يتكلفون كثيرا لما يخدم قضية الإيمان؛ فإنني أعتبر أن من واجبات العصر أن نلاحظ قضية الإيمان: إن في عرض المعاني، أو إبراز ما يلزم لذلك.
ففيما يتعلق بعرض السنة فإنه ينبغي على الباحث أن يلاحظ هذا الموضوع حتى في عملية ترتيب أبحاث السنة.
وأما بالنسبة للتفسير فإذا لم تخدم قضية الإيمان فيه في عصرنا المادي والشهواني فكأن المفسر لم يفعل شيئا، إن الله ﷿ يقول: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا. فالأصل الأصيل هو أن يتعمق الإيمان بتلاوة الآيات، وعلى المفسر أن يساعد في ذلك.
إن كثيرا من التفاسير- كما قلنا- يفترض سلامة الإيمان وكماله، ومن ثم يركز على النكت والشروح والفوائد ومناقشة الخصوم، وكل ذلك له فوائده، ولكن هذا التفسير يريد صاحبه أن يكون أداة لرفع درجات اليقين، بحيث لا يخلص القارئ من صفحة إلى صفحة إلا وقد ارتقى يقينه، هذا مع تصحيح التصورات وزيادة العلم.