التي أقلها ثلاث آيات وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ الشهيد هو: الحاضر أو القائم بالشهادة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعاواكم،
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا: بأن تأتوا بسورة من مثله فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. الوقود: ما توقد به النار من مثل الحطب، ومعنى وقودها الناس
والحجارة: أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي إما حجارة الكبريت فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن، وإما الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيرا، أو هي هذه وهذه وكل ذلك اتجاهات للمفسرين أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي هيئت لهم، وفي ذلك دليل أن النار مخلوقة موجودة الآن، وبعد أن بين الله ﷿ طريق تقواه، وأقام الحجة على وجوبها، وبين أن هذا القرآن لا ريب فيه، وتوعد الكافرين، فكأنه لم يعد هناك مبرر لإنسان في ألا يؤمن ويعمل صالحا،
ومن ثم فقد توجه الخطاب لرسول الله ﷺ أن يبشر هؤلاء العاملين:
وَبَشِّرِ الأمر لرسول الله ﷺ ابتداء ولكل مسلم انتهاء بحكم أن للمؤمنين أسوة برسول الله فهو قدوتهم، والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: الذين آمنوا بالغيب، وآمنوا بما أنزل على محمد ﷺ، وما أنزل من قبل، وآمنوا بالآخرة وعملوا الصالحات؛ من إقامة صلاة وإنفاق وذلك كله قرر من قبل والصالحات في الاصطلاح الشرعي: كل ما استقام من الأعمال بدليل الكتاب والسنة، وعطف العمل الصالح على الإيمان دليل على أن الإيمان غير العمل الصالح. أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. الجنة في اللغة: البستان من الشجر المتكاثف وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الأشجار، وقد جمعت في الآية ونكرت لاشتمالها على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان ودار الثواب مخلوقة من قبل موجودة الآن. رزقنا الله إياها، قال علماء أصول الدين: ولا نجعل للمؤمن العاصي صاحب الكبيرة بشارة مطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ النهر هو: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر والجري: الاطراد. قالوا: وأنهار الجنة تجري في غير أخدود من تحت أشجار الجنة وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة، والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا هذه الجنات لها ثمار أجناسها
[ ١ / ٩٦ ]
أجناس ثمرات الدنيا وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله، وإنما كانت ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا، ولم تكن أجناسا أخرى لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان تعجبه أكثر واستغرابه أوفر. وقوله تعالى مِنْ قَبْلُ أى من قبل ذلك مما رزقوه في الدنيا والآخرة وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا يشبه بعضه بعضا في المنظر والطعم مختلف وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من مساوئ الأخلاق، ومما يختص بالنساء في الدنيا من حيض واستحاضة، ومما لا يختص بالمرأة من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس، ومطهرة أبلغ من طاهرة لأنها تكون للتكثير وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن وما ذلك إلا الله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، فالجنة باقية ولكنها مخلوقة، وهي باقية بإبقاء الله، والله باق وبقاؤه واجب وليس لوجوده ابتداء فهو الأول.
عن ابن عباس قال: لا يشبه شئ مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء «وفي رواية:
ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» وعن ابن مسعود في قوله تعالى وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا قال: في اللون والمرأى وليس يشتبه في الطعم، وقال يحيى بن كثير فيها:
يؤتى أحدهم بالصحفة من الشئ فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف، وقال مجاهد في تفسير قوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد .. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته وأن يقينا ناره.