ترد كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ مرتين في سورة البقرة: مرة في بداية القسم الأول:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، ومرة في بداية القسم الثاني: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا، وهذا الابتداء هو إحدى العلامات التي دلتنا على القسم الأول والثاني.
والعلامة الثانية التي دلتنا على نهاية القسم الأول، هو انتهاؤه بنفس معاني الابتداء.
البداية هي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
والنهاية هي قوله تعالى:
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.
لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في البداية: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ قال ابن عباس في تفسيرها: وحدوا ربكم.
- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في البداية الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ
وبعد آية الخلق يأتي قوله تعالى في نهاية القسم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
[ ١ / ٩١ ]
لاحظ صلة قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا هنا بقوله تعالى في بداية القسم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فهذه العلامة الثانية التي دلتنا على أن هاهنا نهاية القسم الأول من سورة البقرة.
والعلامة الثالثة هي:
أننا لاحظنا أن مقدمة سورة البقرة وهي تشكل كلا بالنسبة للسورة انتهت بفقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ
ونلاحظ هنا أنه لأول مرة في سورة البقرة بعد المقدمة يأتي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ في الآيات التي مرت معنا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا، فهذا كذلك مما دلنا على أن القسم الأول من سورة البقرة ينتهي هنا.
والعلامة الرابعة التي دلتنا على القسم الأول بداية ونهاية هي المعاني: فهذا القسم كما سنرى من خلال المعاني يتألف من ستة مقاطع كل مقطع مرتبط بما قبله وبما بعده بوشائج وصلات فلنستعرض بعض معاني المقاطع لنرى كيف أنها تدلنا على أنها مع بعضها تشكل قسما من الأقسام: يبدأ المقطع الأول بدعوة الناس جميعا إلى سلوك طريق العبادة والتوحيد، ليكونوا من المتقين، مقيما عليهم الحجة من خلال إعجاز القرآن محذرا ومنذرا ومبشرا، ثم يبين لهم العوامل التي تحول بين الإنسان وبين الهداية، مقيما الحجة على الكافرين بكفرهم، ثم يأتي المقطع الثاني: وفيه قصة آدم التي نهايتها فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وهي تبين أن الوضع العادي للإنسان أن يكون مهتديا بهدى الله، وبالتالي فشئ عادي أن يكون الإنسان من المتقين بسلوك طريق ذلك.
ثم بعد ذلك يأتي مقطعان:
مقطع فيه قصة بني إسرائيل، وهي لأمة جاءها وحي ففرطت فيه، ومقطع فيه قصة إبراهيم (﵇) وفيه نموذج على من قام بحق الوحي قياما كاملا: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ أي قام بهن كلهن وفي كل من المقطعين تأخذ هذه الأمة دروسا.
وقصة إبراهيم (﵇) التي فيها بناء الكعبة، تصل بنا إلى مقطع جديد حول
[ ١ / ٩٢ ]
قبلة المسلمين ودروس ذلك، وذلك هو المقطع الخامس.
ثم يأتي المقطع السادس، وفيه توجيهات مباشرة للمسلمين لها صلة بكل ما مر قبل ذلك في السورة.
فالمعاني إذن هي العلامة الرابعة التي دلتنا على القسم ابتداء وانتهاء ولئن اختصرنا وبسطنا فمن أجل مجرد وضع أساس وسيتضح الأمر لنا شيئا فشيئا.
ومما مر ندرك أن القسم الأول يتألف من ستة مقاطع- ذلك اجتهادنا- فلنبدأ بعرض المقطع الأول.