أما الأمر فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وأما النهي فهو قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأمر والنهي واردان في الآيتين الأوليين من القسم الأول، وينتهي القسم الأول بفقرة هي قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
لاحظ الصلة بين قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا في بداية القسم، وبين آخر فقرة في القسم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا وبعد ذلك يأتي القسم الثاني ويمتد من الآية الثامنة والستين بعد المائة إلى نهاية الآية السابعة بعد المائتين.
لاحظنا أن القسم الأول بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ثم لم تذكر كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ إلا بعد الآية السابعة والستين بعد المائة، حيث تظهر مرة أخرى وأخيرة في سورة البقرة:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فكما بدأ القسم الأول ب يا أَيُّهَا النَّاسُ فإن القسم الثاني بدأ كذلك وكما انتهى بفقرة مبدوءة بقوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ فإن الثاني ينتهي بفقرة مبدوءة بقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ.
وهكذا نجد أن مقدمة سورة البقرة مختومة بفقرة بدايتها: وَمِنَ النَّاسِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وأن القسم الأول مختوم بفقرة بدايتها: وَمِنَ النَّاسِ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا.
وأن القسم الثاني منته بفقرة تتكرر فيها وَمِنَ النَّاسِ* مرتين:
[ ١ / ٦٢ ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
ثم يأتي القسم الثالث ويمتد من الآية الثامنة بعد المائتين إلى نهاية الآية الرابعة والثمانين بعد المائتين.
يبدأ القسم الثالث بأمر ونهي، أما الأمر: فهو في موضوع الدخول في الإسلام كله. وأما النهي: فعن اتباع خطوات الشيطان وهو نفس النهي الذي جاء في ابتداء القسم الثاني.
لاحظ أن بداية القسم الثاني كانت: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وأن بداية القسم الثالث:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا كما فسرها ابن عباس وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
ومن المعلوم أن الآيتين الأخيرتين في سورة البقرة قد ورد فيهما أكثر من نص يخصهما بالذكر فهما خاتمة السورة وبدايتهما: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
لاحظ صلة ذلك ببداية السورة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
هذه نقاط علام كبيرة على معالم السورة، ونحن نعلم أننا الآن ونحن نذكر مثل هذه المعاني كأننا نبني على فراغ في حق من لا يحفظ السورة أو لا يمسك بيده مصحفا يتتبع ما نقول، ولكن أحببنا في هذه الكلمة أن نضع أساسا يبني عليه القارئ ونحن نسير معه فقرة فقرة، ومقطعا مقطعا وقسما قسما ونحن نعرض الترابط والصلات بين أجزاء السورة، وإلا فإن الكلام المختصر هنا لا يغني ولكنه ينفع، ولذلك فلنستمر به على ملاحظتنا عليه:
تبدأ المقدمة بتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: متقين، وكافرين، ومنافقين. ثم يأتي القسم الأول مبتدئا بدعوة الناس لسلوك طريق العبادة والتوحيد كطريق موصل إلى التقوى، ثم يسير القسم ليناقش الكفر، وليعمق قضية السير في التقوى، من خلال تأكيد طاعة الأمر واجتناب النهي، ومن خلال عرض الآثار الخطيرة لمخالفة الأمر.
[ ١ / ٦٣ ]
والوقوع في النهي، ومن خلال عرض نماذج الانحراف في قصة بني إسرائيل، ومن خلال عرض نماذج الاستقامة في قصة إبراهيم ﵇. ولا ينتهي القسم إلا وتأكدت قضية التقوى وقضية السير فيها وقضية العبادة والتوحيد ومظاهر ذلك.
ثم يأتي القسم الثاني: فيؤكد قضية التقوى، ويرسم طرائق التحقيق بها على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة، ويعمق مفهوم الشكر وطرائق الشكر، ولا نكاد ننتهي من هذا القسم إلا وقد وضحت قضية التقوى وقضية العبادة وقضية الشكر، وقضية الصراط المستقيم وقضية الانحراف عنه، واتجاهات المنحرفين، وخلال ذلك يتم الكلام عن كل أركان الإسلام: الإيمان والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فتصبح أرضية النفس والقلب والعقل جاهزة للسير في الإسلام كله. وهاهنا يأتي القسم الثالث: داعيا إلى الدخول في الإسلام كله فيعرض قضايا في الحرب والعلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة وغيرها ويعرض أمهات في قضايا السياسة والاقتصاد، ثم تأتي خاتمة السورة رابطة كل شئ بقضايا الإيمان والتوجه إلى الله معلمة في ذلك مربية عليه مفصلة فيه.
وفيما بين ذلك وخلاله نعرض القضايا الكثيرة، وكل واحدة في محلها تؤدي دورها في بناء الذات، وفي بناء الأمة بعد المقدمات التي تناسب ذلك، وتتولد المعاني الكثيرة في هذا السياق الكبير من خلال المعنى الحرفي للآية، ومن خلال محل الآية في السياق القريب، ومن خلال محلها في السياق البعيد، ومن خلال محل المقطع في القسم، ومحل القسم في السورة، ومحل السورة مع ما قبلها، وما بعدها، وفي هذا السير نجد كثرة الروابط والوشائج والصلات فيما بين الأقسام والمقدمة والخاتمة، وكل ذلك يجري على تسلسل معين وعلى طريقة عجيبة لم يألفها البشر وليس الخبر كالمعاينة فلنبدأ عرض مقدمة السورة: