(أ) أخرج الترمذي وابن ماجه عن رسول الله ﷺ قال: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس) قال الترمذي عنه: حديث حسن غريب. وذكر ابن كثير أن عمر بن الخطاب (﵁) سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال:
شمرت واجتهدت قال: فذلك التقوى ..» وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: (ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله)، دل الحديث على أن تقوى الله هي أعظم ما يعطاه عبد.
(ب) مما أورده ابن كثير بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
- قال أبو العالية في تفسير الإيمان بالغيب: «الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث».
- عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ الم ذلِكَ الْكِتابُ ..
إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعن صالح بن جبير قال: «قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قلنا: هات رحمك الله. قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل- عاشر عشرة- فقلنا: يا رسول الله: هل من قوم أعظم منا أجرا؟ آمنا بالله واتبعناك. قال:
ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين، يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ:
«أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون وهم
[ ١ / ٨٤ ]
عند ربهم؟ قالوا: فالنبيون، قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا:
فنحن، قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها». قال ابن كثير: قال الحاكم: صحيح الإسناد دلت هذه النصوص على فضل إيمان من جاء بعد الصحابة من المسلمين، ولا يعني ذلك أن من جاء بعد الصحابة أفضل منهم بل من جاء بعدهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا.
(ج) أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله: إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس أو كما قال.
قال: أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: الم ذلِكَ الْكِتابُ إلى قوله تعالى الْمُفْلِحُونَ هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله .. قال: أجل.
(د) فهم بعضهم أن الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة ذكرت صنفين من أهل الإيمان، الأول: هم الذين آمنوا بالقرآن دون أن يكونوا على دين سماوي سابق، وهؤلاء هم الذين ذكروا في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
والثاني: هم الذين كانوا على دين سماوي سابق ثم آمنوا بالقرآن وهم الذين ذكروا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ
ونحن في التفسير الحرفي لم نعتمد هذا الاتجاه، بل اعتبرنا أن المتكلم عنهم في الفقرة صنف واحد، فالناس كلهم مطالبون بالإيمان بالغيب والإيمان بالوحي كله وباليوم الآخر، وقد ذكرنا حكمة التفصيل بذكر الإيمان بالوحي كله وباليوم الآخر مع أنهما داخلان في الإيمان بالغيب؛ نعم قد يكون من حكمة ذكر قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ البيان لأهل الكتاب ولأصناف من الناس قد لا يعتبرون الإيمان بالآخرة ضروريا، قد يكون من جملة الحكم في التفصيل البيان لهؤلاء جميعا أن التقوى لا بد فيها من إيمان بالوحي كله وباليوم الآخر هذا مع الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق والاهتداء بكتاب الله.
[ ١ / ٨٥ ]
(هـ) في قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يصح الوقوف على قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ كما يصح الوقوف على لا رَيْبَ فِيهِ فإذا وقفنا على لا رَيْبَ كان المعنى: هذا القرآن الذي لا يدانيه كتاب بلا شك، فيه هدى للمتقين وفي هذه الحالة يكون في الآية إشارة إلى أن المتقين يأخذون هداية أخرى نفهمها من نصوص الكتاب ذاته إذ المتقون مكلفون بالاهتداء بالسنة مع الكتاب، وبما أحال عليه الكتاب والسنة من طرق الاهتداء إلى حكم الله. أما الوقوف على قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ فإنه يفيد أن أصل الريب منفي عن هذا الكتاب، بينما على الوقف الأول، فإن الشك منفي عن أن هذا الكتاب يدانيه كتاب آخر، ثم إن قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ في الوقف على لا رَيْبَ فِيهِ يعطينا أن هداية المتقين محصورة في الكتاب، ولا تنافي بين المعاني فهداية المتقين محصورة في الكتاب.
ولكن الكتاب هداهم إلى اعتماد السنة والاهتداء بها، وإلى اعتماد الإجماع والاهتداء به، وإلى اعتماد القياس وغيره. وهكذا نرى أنه من خلال الوقف فقط عرفنا معاني متعددة يكمل بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا، وسنرى هذا وغيره فندرك كيف أنه من خلال الوقف، ومن خلال القراءات المتعددة، ومن خلال السياق الخاص، ومن خلال السياق العام، تتولد عن هذا القرآن معاني لا نهاية لها، وكل هذا مع تيسير الفهم لكتاب الله، لكل طبقات الناس، بحيث يأخذ كل من مائدة القرآن ثم هي تبقى بلا نفاد.
(و) قال قتادة في نعت المنافق: «خنع الأخلاق يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبت معها».
وقال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم ..
ونقل ابن كثير- عن بعض العلماء- أن المنافقين بعد رسول الله ﷺ إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون أنهم يقتلون
وقال ابن كثير: «وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟» وسنتحدث عن هذا
[ ١ / ٨٦ ]
الموضوع في سورة الأحزاب عند قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا.
(ز) فرق بعض العلماء بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي، والحقيقة أن النفاق حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها، كما أن الكفر حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها، وكذلك الإيمان حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها. فمن أخلاقية النفاق ما ذكره لنا رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وكذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان. وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر»، فهذه أخلاقيات النفاق التي تدل على وجوده، ومن الحديث الأخير ندرك أن علينا أن نفرق بين النفاق الخالص والنفاق المخالط، وفي الأصل فإن علينا أن نفرق بين الزلة العارضة والخلق الدائم.
(هـ) من ذكر التجارة في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ نفهم فهما بعيدا لا ينصب عليه السياق أن من عوامل النفاق وأسبابه الرغبة في الدنيا، والحرص عليها، وأنهم باعوا دينهم بمنفعة أو مصلحة.