روى الإمام أحمد عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح- أو قال في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا يا رسول الله فذكروا له الذي كانوا فيه فقال «إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم» قال:
فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي سألوه الزاد، قال عامر سألوه بمكة وكانوا من جن الجزيرة فقال: «كل عظم ذكر اسم الله في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم- قال- فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن» وهكذا رواه مسلم في صحيحه. وروى مسلم أيضا: عن عامر قال سألت علقمة هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟! قال: فقال علقمة أنا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم» قال رسول الله ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم». (طريق
[ ٩ / ٥٢٧٥ ]
أخرى) عن ابن مسعود ﵁ عن الزهري عن عبيد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون». (طريق أخرى) فيها: إنه كان معه ليلة الجن، روى ابن جرير ﵀ عن أبي عثمان ابن شبة الخزاعي- وكان من أهل الشام- قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» فلم يحضر منهم أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطّا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز ثم أتاني فقال: «ما فعل الرهط؟» قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه البيهقي في الدلائل، وإسحاق بن راهويه، والحافظ أبو نعيم. (طريق أخرى) روى أبو نعيم حدثنا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فخطّ لي خطا فقال «كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت منها هلكت» فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة (طريق أخرى) روى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ﵁: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي ﷺ خطّ عليه خطا وقال «لا تبرح منها» فذكر مثل العجاجة السوداء فغشيت رسول الله ﷺ فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح أتاني النبي ﷺ فقال: «أنمت!» فقلت: لا والله ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تهرعهم بعصاك تقول: «اجلسوا» فقال النبي ﷺ: «لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم» ثم قال ﷺ: «هل رأيت شيئا؟» قلت: نعم رأيت رجالا سوادا مستثفرين ثيابا بياضا قال ﷺ: «أولئك جن نصيبين سألوني المتاع- والمتاع: الزاد- فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة». (طريق أخرى) روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فقال:
[ ٩ / ٥٢٧٦ ]
«إن نفرا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتون الليلة أقرأ عليهم القرآن» فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخطّ لي خطا وأجلسني فيه وقال لي: «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمّة فقال: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء» قال: فلما أصبحت قلت لأعلمنّ حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا.
(طريق أخرى) روى البيهقي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون فخطّ لي خطا ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك فقال: إني لن يجيرني من الله أحد.
(طريق أخرى) روى الإمام أحمد: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان ليلة الجن قال لي النبي ﷺ «أمعك ماء؟» قلت: ليس معي ماء ولكن معي إداوة
فيها نبيذ فقال النبي ﷺ «تمرة طيبة وماء طهور» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن زيد به (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: إنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال معي نبيذ في إداوة قال ﷺ: «اصبب علي» فتوضأ فقال النبي ﷺ: «يا عبد الله شراب وطهور» تفرد به أحمد من هذا الوجه وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود ﵁ به. (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن فلما انصرف تنفّس فقلت ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» هكذا رأيته في المسند مختصرا، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه (دلائل النبوة) فقال:
عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن فتنفس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف قال: «من؟» قلت: أبا بكر، قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفّس، فقلت: ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف قال:
«من؟» قلت: عمر فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفّس، فقلت: ما شأنك؟ قال:
«نعيت إلي نفسي» قلت: فاستخلف، قال ﷺ: «من؟ قلت: علي بن أبي طالب ﵁، قال ﷺ: «أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين» وهو حديث غريب جدا، وأحرى به أن لا يكون محفوظا، وبتقدير صحته، فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك
[ ٩ / ٥٢٧٧ ]
الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا نزلت سورة النصر إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه، كما نص على ذلك ابن عباس ﵄، ووافقه عمر بن الخطاب﵁- عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها والله أعلم، وقد رواه أبو نعيم أيضا عن الطبراني عن ابن مسعود ﵁ فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف وهذا إسناد غريب وسياق عجيب (طريق أخرى) روى الإمام أحمد: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ خطّ حوله فكان أحدهم مثل سواد النحل وقال: «لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله» فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء، وقال النبي ﷺ: «أمعك ماء؟» قلت: لا، قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم، فتوضأ به (طريق أخرى مرسلة) روى ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قال: هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل فقال ﷺ لابن مسعود ﵁: «أنظرني حتى آتيك» وخطّ عليه خطّا وقال «لا تبرح حتى آتيك» فلما خشيهم ابن مسعود ﵁ كاد أن يذهب فذكر قول رسول الله ﷺ فلم يبرح، فقال له النبي ﷺ: «لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة». (طريق أخرى مرسلة أيضا) قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله ﷺ قال: «إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟» فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذلك لذو ندبة فأتبعه ابن مسعود ﵁ أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخطّ عليه وخطّ على ابن مسعود ﵁ خطّا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله ﷺ، ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال ﷺ: «اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدا فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿، وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم كما قاله ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود رضي الله
[ ٩ / ٥٢٧٨ ]
عنه، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى- والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ من حديث ابن جريج قال: عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجنّ نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجنّ نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد والله أعلم. وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن سعيد بن عمرو قال كان أبو هريرة ﵁ يتبع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته فأدركه يوما فقال: «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة قال ﷺ: «ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة» فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال ﷺ: «أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما» أخرجه البخاري في صحيحه، فهذا يدل- مع ما تقدم- على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد فروى ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ الآية قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم. فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج عن مجاهد
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ
الآية قال: كانوا سبعة نفر:
ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى وحسى ومنسى وساصر وناصر والأرد وبيان والأحتم، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا، وهم كانوا عامة جنود إبليس وروى سفيان الثورى عن ابن مسعود ﵁: كانوا تسعة، أحدهم زوبعة أتوه في أصل نخلة، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان وقيل: كانوا ثلاثمائة وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ، ومما يدل
[ ٩ / ٥٢٧٩ ]
على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:
ما سمعت عمر ﵁ يقول لشئ قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مرّ به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ بالرجل، فدعي له فقال له ذلك فقال ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال:
كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتنى أعرف فيها الفزع فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر ﵁: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر ﵁ بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ﵁، فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة. وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، عن البراء ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر ﵁: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا، فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب. قال: فقال له عمر ﵁ يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد ﵁: فإني كنت نازلا بالهند وكان لي رئي من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ جاءنى في منامي ذلك قال: قم، فافهم، واعقل، إن كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ
[ ٩ / ٥٢٨٠ ]
يقول.
عجبت للجن وتحساسها وشدها العيس بأحلامها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما خيّر الجن كأنحاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسها
قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب إن الله ﷿ بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى قابها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:
عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارها
قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ، فإذا هو بالمدينة- يعني مكة- والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك» قال: قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني، قال ﷺ «قل يا سواد» فقلت:
أتاني رئي بعد ليل وهجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمّرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الدعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
[ ٩ / ٥٢٨١ ]
قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: «أفلحت يا سواد»، فقال له عمر ﵁: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله ﷿ من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه ﷺ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب (دلائل النبوة) عن عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فقلت له: حدّثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت:
أنا ابن مسعود، فقال ﷺ: «ما أخذك أحد يعشيك؟» فقلت: لا، قال ﷺ:
«فانطلق لعلي أجد لك شيئا» قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله ﷺ حجرة أم سلمة ﵂ فتركني قائما ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك. فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله فأتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب من نخل فعرض به على صدري فقال ﷺ: «أتنطلق أنت معي حيث انطلقت؟» قلت: ما شاء الله، فأعادها علي ثلاث مرات كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد، فخطّ ﷺ بعصاه خطّا ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» ثم انطلق يمشي وأنا انظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء، ففرقت فقلت ألحق برسول الله ﷺ، فإني أظنّ أنّ هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أنّ رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول «اجلسوا» فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا فأتاني، رسول الله ﷺ فقال: «أنمت بعدي؟» فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيث الناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال:
«لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شئ منهم؟» فقلت: رأيت رجالا سودا مستثفرين بثياب بيض؛ فقال رسول الله ﷺ: «أولئك وفد جنّ نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل،
[ ٩ / ٥٢٨٢ ]
أو روثة أو بعرة» قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ: «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» وهذا إسناد غريب جدا، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم عن الزبير بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم ثلاثا فمرّ بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدنية كلها وأفضينا إلى أرض برازا فإذا رجال طوال كأنهم الرماح، مستثفرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم وهذا حديث غريب والله أعلم.
ومما يتعلق بوفود الجنّ ما رواه أبو نعيم عن حصين بن عمر: أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض ينفح منه ريح المسك، فقلت لأصحابي:
امضوا فلست ببارح حتى انظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء، فلففتها فيها، ثم نحيتها عن الطريق، فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فو الله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت: واحدة منهنّ: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: ومن عمرو؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت:
أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام، قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال:
صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» وهذا حديث غريب جدا، والله أعلم، قال أبو نعيم: وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد الظهراني عن صفوان ابن المعطل- هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة- وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم عن معاذ بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁ فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا، ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة،
[ ٩ / ٥٢٨٣ ]
فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو شعيبان وبنو قيس التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد
الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك).
فهم بعضهم من النصوص التي ذكرت بمناسبة الكلام عن جنّ نصيبين أن كل عظم هو غذاء للجن إلى قيام الساعة، وكل روث هو علف لدوابهم، والذي فهمته من النصوص أنّ ذلك كان معجزة لرسول الله ﷺ وكرامة لجنّ نصيبين فقط.