١ - وهكذا قد عرّفتنا المقدمة على الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد، وبيّنت لنا الطريق العمليّ لذلك، وهو الإثخان في القتل، وعدم اللجوء إلى الأسر والاعتقال إلا بعد هذا الإثخان، وأنه بعد الأسر والاعتقال يجوز للمسلمين المنّ أو الفداء، على خلافات بين الفقهاء سنراها في الفوائد. كما بيّن لنا تعالى حكمة عدم انتصاره المباشر من الكافرين أحيانا، وذلك من أجل أن يختبر إيمان المؤمنين هل يجاهدون في سبيله أم لا؟، وبيّن لنا بماذا يكافئ من يقتل في سبيله من هداية إلى الجنة، وإصلاح بال، فلا يقلقون على شئ في البرزخ، أو يوم القيامة، كما يدخلهم الجنة وقد طيبها لهم.
[ ٩ / ٥٣٠٢ ]
فالمقدمة إذن ذكرت خصائص الفريقين، وذكرت فرضية القتال على المؤمنين، وإذ كان هذا القتال ينبغي أن يكون خالصا لوجه الله، وفي سبيله، فليقاتل المسلمون، وليطمئنوا إلى نصر الله، ومن ثم بدأ المقطع الأول بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.
٢ - قلنا إنّ من امتدادات محور السورة في سورة البقرة قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
لقد فسّرت آيات سورة القتال كثيرا من أوامر القتال في سورة البقرة فبينت أن الفتنة هي الصدّ عن سبيل الله، وبيّنت كيف ينبغي أن نقاتل، فعرّفتنا أن علينا أن نثخن أولا في الأرض. وإذا صح ربطنا بين سورة القتال وآيات القتال الأولى في سورة البقرة، فهذا يرجح التفسير الذي يفسّر قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا بأنّ كلّ الكافرين مقاتلون وعلينا أن نقاتلهم، وأنّ الاعتداء في الآية لا يراد به البدء في القتال، وإنما يراد به تجاوز ما شرعه الله في القتال.