وقد تحدّث صاحب الظلال حديثا مسهبا عن الجن بمناسبة ذكرهم في السورة فقال:
(إن ذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجن ليستمعوا القرآن من النبيﷺ- وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجن، ولتقرير وقوع الحادث. ولتقرير أن الجن هؤلاء يستطيعون أن يسمعوا للقرآن بلفظه العربي المنطوق، كما يلفظه رسول اللهﷺ- ولتقرير أن الجن خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدون للهدى وللضلال .. وليس هنالك من حاجة إلى زيادة تثبيت أو توكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقررها الله- سبحانه- ثبوتا. ولكنا نحاول إيضاح هذه الحقيقة في التصور الإنساني. إن هذا الكون من حولنا حافل بالأسرار، حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنها وصفة وأثرا. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار نعرف منها القليل ونجهل منها الكثير. وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار وندرك بعض هذه القوى، ونتعرف إلى بعض هذه الخلائق. تارة بذواتها. وتارة بصفاتها. وتارة بمجرد آثارها في الوجود من حولنا. ونحن ما نزال في أول الطريق. طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرة من ذراته الصغيرة الصغيرة. هذا الكوكب الأرضي الذي لا يبلغ أن يكون شيئا يذكر في حجم الكون أو وزنه! وما عرفناه اليوم- ونحن في أول الطريق- يعد بالقياس إلى معارف البشرية قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجن. ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شئ من أسرار الذرة التي نتحدث عنها اليوم لظنوه مجنونا، أو لظنوه يتحدث عما هو أشد غرابة من الجن قطعا!
[ ٩ / ٥٢٨٤ ]
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، ولتكون لنا ذلولا، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها .. مهما امتد بنا الأجل- ومهما سحر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره- لا تتعدى تلك الدائرة. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض. وفق حكمة الله وتقديره. وسنكشف كثيرا، وسنعرف كثيرا، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته، مما قد تعتبر أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة. وفي حدود قول الله- سبحانه- وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٨٥). قليلا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود؛ ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (لقمان: ٢٧). فليس لنا- والحالة هذه- أن نجزم بوجود شئ أو نفيه. وبتصوره أو عدم تصوره. من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي أو تجاربنا المشهودة. ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلا عن إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا! وقد تكون هنالك أسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلا. وأسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده، لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض. فإذا كشف الله لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه- لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضا- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم. نتلقاها كما هي فلا نزيد عليها ولا ننقص منها. لأن المصدر الوحيد الذي نتلقى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة. وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار! ومن هذا النص القرآني. ومن نصوص سورة الجن. والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه.
ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجن. ومن الآثار النبوية الصحيحة عن هذا الحادث. نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة .. هذه الحقائق تتلخص في أن هنالك خلقا اسمه الجن. مخلوق من النار. لقول إبليس في الحديث عن آدم: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (ص: ٧٦) .. وإبليس من
[ ٩ / ٥٢٨٥ ]
الجن لقول الله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (الكهف:
٥٠) .. فأصله من أصل الجن. وأن هذا الخلق له خصائص غير خصائص البشر. منها خلقته من نار، ومنها أنه يرى الناس ولا يراه الناس، لقوله تعالى عن إبليس- وهو من الجن-: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ (الأعراف: ٢٧) .. وأن له تجمعات معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس. للقول السابق: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ .. وأن له قدرة على الحياة في هذا الكوكب الأرضي- لا ندري أين- لقوله تعالى: لآدم وإبليس معا: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (البقرة: ٣٦) .. والجن الذين سخروا لسليمان ﵇ كانوا يقومون له بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزودين بالقدرة على الحياة فيها. وأن له قدرة كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب لقول الله تعالى حكاية عن الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (الجن: ٨ - ٩) .. وأنه يملك التأثير في إدراك البشر وهو مأذون في توجيه الضالين منهم- غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية حوار
إبليس اللعين: قالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص: ٨٣ - ٨٤) .. وغير هذا من النصوص المماثلة. ولكنا لا نعرف كيف يوسوس ويوجه وبأي أداة. وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثر به. وأنه قابل للهدى وللضلال بدلالة قول هذا النفر في سورة الجن: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ. فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا* وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (الآية: ١٤ - ١٥) .. وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الإيمان، بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد.