بمناسبة قوله تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال ابن كثير: (والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر؛ فإن الله ﷾ عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ فقال ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيّرة بين مفاداة الأسير والمنّ عليه منسوخة بقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية، رواه العوفي عن ابن عباس ﵄، وقال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وآخرون وهم الأكثرون: ليست بمنسوخة، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخيّر بين المنّ على الأسير، ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله وقال آخرون منهم:
[ ٩ / ٥٣٠٣ ]
بل له أن يقتله إن شاء لحديث: قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل وتعط منه ما شئت. وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخيّر بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضا، وهذه المسألة محررة في علم الفروع. وقوله ﷿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊، وكأنه أخذه من قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال». وروى الإمام أحمد عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سيبت الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت لا قتال، فقال له النبي ﷺ «الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله تعالى قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقد دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به وروى أبو القاسم البغوي عن النواس بن سمعان ﵁ قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فتح فقالوا: يا رسول الله سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها قالوا: لا قتال، قال: «كذبوا الآن جاء القتال لا يزال الله تعالى يزيغ قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعقد دار المسلمين بالشام» وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب وقال قتادة: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها حتى لا يبقى شرك، وهذا قوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها أي أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله ﷿، وقيل أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى).
وبمناسبة قوله تعالى: إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ. قال صاحب الظلال: (والإثخان: شدة التقتيل، حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع. وعندئذ- لا قبله- يؤسر من استأسر ويشد وثاقه. فأما والعدو ما يزال قويا فالإثخان والتقتيل يكون الهدف لتحطيم ذلك الخطر.
[ ٩ / ٥٣٠٤ ]
وعلى هذا لا يكون هناك اختلاف- كما رأى معظم المفسرين- بين مدلول هذه الآية، وبين مدلول آية الأنفال التي عاتب الله فيها الرسول ﷺ والمسلمين لاستكثارهم من الأسرى في غزوة بدر. والتقتيل كان أولى. وذلك حيث يقول تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
فالإثخان أولا لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته؛ وبعد ذلك يكون الأسر. والحكمة ظاهرة؛ لأن إزالة القوة المعتدية المعادية للإسلام هي الهدف الأول من القتال. وبخاصة حين كانت القوة العددية للأمة المسلمة قليلة محدودة. وكانت الكثرة للمشركين. وكان قتل محارب يساوي شيئا كبيرا في ميزان القوى حينذاك. والحكم ما يزال ساريا في عمومه في كل زمان بالصورة التي تكفل تحطيم قوة العدو، وتعجيزه عن الهجوم والدفاع).