بمناسبة قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ذكر ابن كثير تحقيقا حول مجئ الجنّ إلى رسول الله ﷺ هذا هو: روى الإمام أحمد عن الزبير وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قال بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قال سفيان: ألبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض تفرد به أحمد وسيأتى من رواية ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين وروى الإمام أحمد والإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه (دلائل النبوة): عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم، فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا يا قومنا:
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (الجن: ١، ٢) وأنزل الله على نبيه ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (الجن: ١) وإنما أوحي إليه قول الجن رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم ورواه الترمذي والنسائي في التفسير وروى الإمام أحمد أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄
[ ٩ / ٥٢٧٣ ]
قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثّ جنوده فإذا بالنبي ﷺ بين جبلي نخلة، فأتوه، فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، وقال الترمذي حسن صحيح، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ أيضا بمثل هذا السياق بطوله وهكذا قال الحسن البصرى: إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني، أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» قال فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح ولكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره والله أعلم. قال أبو بكر بن أبي شيبة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قال: صه وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله ﷿ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إلى ضَلالٍ مُبِينٍ فهذا مع الأول من رواية ابن عباس ﵄ يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة فأما ما رواه البخاري ومسلم
جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت
[ ٩ / ٥٢٧٤ ]
مسروقا من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال حدثني أبوك- يعنى ابن مسعود ﵁- أنه آذنته بهم شجرة، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ﵄، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي: أعلمته باجتماعهم والله أعلم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم، روى الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ﷿ كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁.