إِمْلَاءُ الْحَدِيثِ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، وَفِيهِ:
- نَيْلُ فَضِيلَةِ التَّبْلِيغِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ وَنَدَبَ إِلَيْهِ، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حِدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (^٢).
وَأَيْضًا فَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "نَصَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَها، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ" (^٣).
- وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ:
رُويَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَنَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ أَفَتَأْذَنُ أَنْ نَكْتُبَهَا؟
قَالَ: "نَعَمْ" (^٤).
وَأَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَاَل رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قَيِّدُوا الْعِلْمَ".
_________________
(١) هذا كلام الإمام الرافعي في خاتمة كتاب الأمالي بتصرفٍ مني.
(٢) رواه البخاري (٣٤٦١) من طريق الأوزاعي.
(٣) رواه أبو داود (٣٦٦٢)، والترمذي (٢٨٦٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٢٣٥)، وابن حبان (٦٧) من حديث زيد بن ثابت ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٤) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٧)، وعبد الرزاق (٨/ ٤١)، وابن حبان (٤٣٢١) من طريق ابن جريج.
[ ٧ ]
قُلْتُ: وَمَا تَقْيِيدُهُ؟ قَالَ: "كِتَابَتُهُ" (^١).
وهاتان الفائدتان الجسيمتان تحصلان في الإملاء متعاونتين، لا كالتبليغ والسماع بلا كتابة، أو الكتابة بلا سماع.
ثم يختصُّ الإملاء بفوائد أخر:
إحداها وهي العظمي: صِحَّة السَّمَاعِ، وبُعْدُهُ عن الخطأ والتصحيف؛ لأن الْمُمْلِي يَتَثَبَّتُ أولًا ويضبط، ثم يتأنَّي عند الإملاء لتنصبَّ الكلمةُ بعد الكلمةِ في آذان السَّامعين ثم ليكتبوها. وأين يبلغ من ذلك سماع ما يُسْرِعُ القارئُ بقراءته فَتَزِلَّ عن لفظه الكلمة أو بعضها أو إعرابها أو عن سمع السامعين أو عنهما جميعًا. وقد تُصحف فيما يقرأ إمَّا عن جهلٍ أو غلطٍ والتباسٍ أو غفلةٍ وذهولٍ ولا يَتَنَبَّهُ له السامعون من الشيخ وغيره، ولا يتميز موضع التصحيف عن غيره وسواء تميَّز أو لم يتميَّز فمن سمعه مُصحفًا وروى: فإما أن يروي كما سمع فقد سمع غَلَطًا وروى غَلَطًا، وإن روى على الصَّواب فقد كذب في قوله: أخبرني فلان بكذا، أو سمعت منه كذا، وهذا كلُّه في الرَّاوي والسَّامع اللَّذين لهما دِراية وتمييز، وإلَّا فلا يدري هذا ما يَسْمَع وهذا ما يُسْمِعُ، وما أقل فائدة مثل هذا السماع.
والثانية: إنَّ الإملاءَ يشتملُ غالبًا بعد رواية الحديث على تَصَرُّفٍ إمَّا من جهة جمع طرقه وشواهده، أو ذكر أحوال رواته، أو الفوائد المتعلقة بِمَتْنِهِ، فيكون نشاط النفس لأخذها والانتفاع بها أكثر وأتم.
والثالثة: ما فيه من زيادة التَّفهيم والتَّفهم للمذاكرة والمراجعة في تضاعيف
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ١٨٨) من طريق سعيد بن سليمان. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٠٢٦).
[ ٨ ]
الإملاء والكتابة والمقابلة، وقد يدعو إليهما التَّأمُّل والفكر في تلك المهلة.
وننشد للحافظ أبي طاهر السِّلَفِيِّ (١):
وَاظِبْ عَلَى كَتْبِ الْأَمَالِي جَاهِدًا … مِنْ أَلْسُنِ الْحُفَّاظِ وَالْفُضَلَاءِ
فَأَجَلُّ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ بِأَسْرِهَا … مَا يَكْتُبُ الْإِنْسَانُ فِي الْإِمْلَاءِ
وقد استحبَّوا لِلْمُمْلِي أن يقرأَ قبلَ الإملاءِ سورةً خفيفةً من القرآن ويخفيها في نفسه، وأن يكون له مُسْتَمْلٍ عند الحاجة، وأن يستنصت الْمُسْتَمْلِي الحاضرين قبل الإملاء، وأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ويحمد الله تعالى، ويُصَلِّي على نَبِيِّهِ، ثم يقول: من ذكرتَ رحمك الله ولا يقول: من حدثك أو أخبرك أو من سمعت فإنه لا يدري بأية لفظة يبتدئ، وأن يُمْلِيَ الْمُمْلِي ما يراه أنفع وأعمَّ فائدة، وأن يُفَسِّرَ ما يحتاج إلى تفسيره وبيانه، فعن أبي أسامة أنَّ تفسير الحديث ومعرفته خير من سماعه، وأن يختمَ المجلس بالحكايات والإنشادات الْمُرِقَّة، وأن لا يطيل الإملاءَ إلَّا إذا عرف أنَّ الحاضرين لا يَتَبَرَّمُونَ به، وأن يدعو ويستغفر عند تمامه سرًّا وجهرًّا.
[ ٩ ]