قوله: "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ" قيل: يأخذها إمَّا بإبطال دعوى المدعين أو بإفنائها، فالإيجاد نوع بسط، والإفناء قبض، وقد يُجْعل من قولهم: قُبض فلان أي: مات.
وقيل: يجمعها بنسف الجبال وتبديل هيئتها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) أي: في ملكه واستيلائه، يقال: ناحية كذا في قبضة فلان أي: يملكها.
وقوله: "وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ" أي مطوية بيمينه، كما قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ
_________________
(١) الزمر: ٦٧.
[ ١٨٠ ]
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١) وكما قال في الرواية الأخرى: "يَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ".
وللطيّ وراء إدراج القرطاس ونحوه معاني:
"الإخفاء" يقال: اطو هذا الحديث عنه أي: استره.
"والإعراض" يقال: طويت عن فلان أي: ولَّيت ظهري عنه.
"والإفناء" يقال: طويته بالسيف أي: أفنيته.
والمعنى أن السماوات مدرجات ومبدلات أي مصنوعات (^٢) أو مُفْنَيَات.
وقوله: "بِيَمِينِهِ" من الأصحاب من لا يأوِّل اليد واليمين ونحوهما ويسميها صفات خبرية، وذلك بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري.
والمأولون منهم من حمل على القدرة والقوة، ويقال: سميت القوة يمينًا؛ لأن اليمينَ مخصوصةٌ بمزيد القوة، ومنهم من حمل اليمين ها هنا على القسم وقال: يفنيها بموجب قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٣) كأنَّه حكمَ به وأقسمَ به، وقد ذكر القولان في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (^٤) قيل: بالقوة، وقيل: بقسمه حيث قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (^٥).
وهناك قول ثالثٌ: وهو الحمل على الجارحة.
_________________
(١) الزمر: ٦٧.
(٢) في الحاشية وفوقه رمز نسخة: مظبوطات.
(٣) القصص: ٨٨.
(٤) الصافات: ٥٧.
(٥) الأنبياء: ٥٧.
[ ١٨١ ]
وأمّا معنى "المَلِك" في أسماء الله تعالى:
فقد قال أهلُ الأصولِ: المَلِكُ: ذو المُلْك، والمْلِك: هو القدرة على الإبداع، ولا مَلِكْ في الحقيقة إلَّا الله تعالى.
وقال الْحَلِيمِيُّ: الملك: استحقاق السياسة وذلك فيما بيننا، يصغر ويكبر بحسب قدر المسُوس وقدر السَّائس، وأما مُلك الباري تعالى فلا يتوهم ملك يدانيه، ولا يخشى أن ينزع منه فهو الملك حقًّا.
وقال الإمام الغزالي ﵀: معناه أنه يستغني عن كل شيءٍ ويحتاج إليه كل شيءٍ، والملك: الاستغناء؛ فإذا انضم إليه حاجة ما سواه فلا غاية وراءه.
وقوله بعد قبضِ الأرضِ وطيِّ السماوات: "أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ" يشير إلى أن ملكه (لا يبسط) (^١) بوجود المخلوقات وانتظامها، ولا (يقبض) (^٢) بفنائها وانخرامها، ويبين أن ملكه دائم وملك غيره داقر (^٣) وسبيله سبيل قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٦).
وَفِي جُزْءِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَقَدْ أَذِنَ لَنَا فِي رِوَايَتِهِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ عَلِيُّ بِنْ أَبِي سَعْدٍ
_________________
(١) في س: قدرته.
(٢) في س: ينقص.
(٣) حاشية في س: قال ابن سيدة: الدقرارة: الحديث المفتعل، وقال الجوهري: ويقال فلان يفتري الدقارير أي: الأكاذيب والفحش، ورجل دقرارة أي: نمام.
(٤) غافر: ١٦.
(٥) الانفطار: ١٩.
(٦) الفاتحة: ٤.
[ ١٨٢ ]
الْخَبَّازُ، عَنِ ابْنِ بَيَانِ الرَّزَّارِ (^١)، عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ الْبَزَّازِ (^٢) قال: أَنْبَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّار، عَنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: رَأيْتُ رَسُول الله ﷺ قَائِمًا عَلَى المِنْبَرِ وَهُوَ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ ﷿ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ تعالى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضيِن السَّبْعِ فِي قَبْضَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا وَشَدَّ قَبْضَتَهُ ثُمَّ بَسَطَهَا ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اللهُ أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْقُدُّوسُ، أَنَا السَّلامُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الَّذِي بَدَأْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا، أَنَا الَّذِي أَعِيدُهَا، أَيْنَ الْمُلُوكُ؟ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ؟ " (^٣).
وَأَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنَ ثَابِتٍ الْبَقَّالُ، عَن أَبِيهِ قَالَ: أَنَبَا عُبَيْدُ اللَّهُ الأَزْهَرِيُّ، أَنَبَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثَنَا يُوسُف بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، حَدَثَنِي جَدِّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، عَن شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الأَهْتَمِ قَالَ:
أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج متبديّا بأهله وَغَاشِيَتِهِ (^٤) من جُلسائه فنزل في قاع أفيح في عام قد بكّر
_________________
(١) هو: علي بن أحمد بن محمد بن بيان أبو القاسم بن الرزاز البغدادي.
(٢) هو: محمد بن محمد بن مخلد أبو الحسن الأزدي الواسطي البزاز.
(٣) "حزء ابن عرفة" (٩) كما رواه من يطريقه الرافعي. ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٢٣)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٦)، والخطيب (٥/ ٣٥٥) جميعًا من طريق الحسن بن عرفة.
(٤) غَاشِيةُ الرجُلِ: مَنْ يَنْتابُه من زُوَّارِه وأَصْدقائه. لسان العرب: غشا.
[ ١٨٣ ]
وسميُّه (^١) وتتابع وَلَيُّهُ (^٢) وأخذت الأرض من أنواع (زينتها) (^٣) من نَور ربيع مونق وقد ضرب له سرداق حبرة، وأخذ الناس مجالسهم، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين من نعمته، ولا كدر عليك ما صفي، ولا خالط مسروره الردي، وما أجد يا أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من قضاء حقك، وتوقير مجلسك ممن أذكرك نِعَم الله عليك، وأنبهك لشكرها، ولا أجد شيئًا أبلغ من حديث من سلف من قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته عنه، فاستوى جالسًا وكان متكئًا فقال: هات يا ابن الأهتم.
فقلت: إن ملكًا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير، وكان قد أعطي فتاء السن من الغلبة والقهر، فقال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي أحد مثل ما أُعطيت؟
قال: وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضيّ على أدب الحق ومنهاجه، فقال: أيها الملك قد سألت أفتأذن في الجواب؟ قال: نعم.
قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثًا عن غيرك وهو صائر إلى غيرك؟ فقال: هو ميراث لي وصائر إلى غيري.
قال: فقد أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلًا وتغيب عنه طويلًا، وتكون غدًا بحسابه مرتهنًا. قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟
فقال: إما أن تقيم في ملكك تعمل فيه بطاعة ربك على ما ساءك وسرَّك
_________________
(١) الوَسْمِيُّ: مطر الربيع الأوَّل، لأنَّه يسِمُ الأرض بالنبات، نُسِبَ إلى الوَسْم.
(٢) الْوَلِيُّ: المطر يأتي بعد المطر المعروف بالوسمى، سمي به لأنه يلي الوسمي. الصحاح: ولى.
(٣) في س: نبتها.
[ ١٨٤ ]
ومضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطبارك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك؛ فوضع الملك من سَحَرِ الغد تاجه ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة ولزم مع الذي وعظه الجبل حتى أتاهما أجلهما.
وفيه يقول أخو تميم عدي بن سالم المرائي: [خفيف]
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهُـ … ــرِ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ المَوْفورُ
أَمْ لَدَيْكَ الْعَهدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْـ … أَيَّامِ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ
مَنْ رَأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ (^١) أَمْ مَنْ … ذَا لَدَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ
أَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى المُلُوكِ أَبُو سَا … سَانُ أَمْ قَبْلَهُ سَابُورُ
وَبَنُو الأَصْفَرِ الْكِرَامُ مُلوكُ الرُّ … ومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ
وَأَخُو الحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ … ـلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالخَابُورُ
شاده مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُرَاهُ وُكورُ
لم يَهَبْهُ رَيْبُ المَنُونِ فَبادَ الْـ … مُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ
وَتَذَكَّرْ رَبُّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ أَشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدى تَفْكِيرُ
سَرَّهُ مَالُهُ وكَثْرَةُ مَا يَمْـ … ــلِكُ والبَحْرُ معرضٌ والسَّدِيرُ
فَارْعَوى قَلْبُهُ فَقَالَ وَمَا غِبطَةُ … حَيٍّ إلى المَمَاتِ يَصِيرُ
ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ (^٢) … فَأَلْوَتْ به الصَّبَا والدُّبُورُ
ثُمَّ بَعَّدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ … وَالْإِمَّةِ (^٣) وارْتَهَمَ هُنَاكَ الْقُبُورُ
_________________
(١) في س: خلد.
(٢) في س: حت.
(٣) الإمَّةً لغةٌ في الأُمَّةِ، وهي الطريقةُ والدينُ. الصحاح: أمه.
[ ١٨٥ ]
قال: فبكى هشام حتى اخْضَلَّتْ لحيته، وفي الحكاية طول اقتصرت على مقصودها (^١).