ذكر أبو أحمد العسكري في "التصحيف والتحريف" أنَّ كلمة "لَيُغَانُ" مما صَحّفَ فيه مصحفون، فرواه بعضهم "يغار" بالراء، وبعضهم "يعان" بالعين، والصواب: الغين والنون كما سبقت الرواية (^٢).
ثُمَّ يجوز أن يجعل قوله: "لَيُغَانُ" من "غِين" وهو أكثر استعمالًا عند أهل اللُّغة، ويجوز أن يجعل من "أغين" والإغانة أكثر دورانًا في لسان المشايخ.
وكتب الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلمي في شرح الحديث أوراقًا وسمَّاها "مسألة الإغانة".
وَمِمَّ كاَن يَتُوبُ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَامَ يُحْمَلُ الْغَيْنُ فِي قَلْبِهِ؟
_________________
(١) إبراهيم: ٥.
(٢) "تصحيفات المحدثين" (١/ ١٥٨).
[ ١٩٦ ]
النَّاس فِيهِ فِرْقَتَانِ:
فرقةٌ أنكرت الحديثَ من أصله واستعظمت أن يغانَ قلبُ رسول الله ﷺ حتى يستغفر مما أصابه، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج صاحب كتاب "اللمع في التصوف" فروى الحديث وقال عقيبه: هذا حديثٌ منكرٌ.
وهذا مذهبٌ مهجورٌ، وأنكر علماء الحديث استنكار السراج وقالوا: الحديث صحيح، وكان من حقِّه أن لا يتكلمَ فيما لا يعلم.
والمُصَحِّحُونَ له تَحزَّبُوا: فتَحَرَّج من تفسيره مُتَحَرِّجُون.
وعن شعبة أنه قال: سألت الأصمعيَّ فقلت: ما معنى قوله: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلبِي"؟
فقال: عَمَّن يروي ذلك؟ قلت: عن النَّبيِّ ﷺ.
قال: لو كان غير قلب النَّبِيِّ ﷺ فَسَّرْتُ لك، وأما قلب النَّبيِّ ﷺ فلا أدري، فكان شعبة يتعجب منه.
وعن الجنيد أنه قال: لولا أنه حال النَّبِيِّ ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم في حالٍ إلَّا من كان مشرفًا عليها، وجَلَّت حاله عن أن يشرف على نهايتها أحدٌ من الخلق، وتَمنَّي الصديق ﵁ مع علوِّ رتبته أن يشرف عليها فروي عنه أنه قال: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله ﷺ.
فهذه طريقة للمصححين (^١).
وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهاجان:
أحدهما: حملُ الغينِ على حالةٍ جيملةٍ ومرتبةٍ عاليةٍ اختصّ بها الرسولُ ﷺ
_________________
(١) في "طبقات الشافعية" للسبكي (٨/ ٢٩٠): المصححين. فقد نقل الكلام بتمامه عن الرافعي.
[ ١٩٧ ]
والمراد من استغفاره: خضوعُهُ وإظهارُ حاجته وافتقاره إلى ربه أو ملازمتُهُ للعبودية والعبادة إقامة لشكر النعمة التي أعطيها على ما قال: "أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" (^١).
ومن هؤلاء من نَزَّل الغينَ على السَّكينةِ والاطمئنانِ التي نزلت على قلبه المطهر، على ما قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (^٢).
وعن أبي سعيد الخرَّاز أنَّ الغينَ شيءٌ لا يجده إلَّا الأنبياء وأكابر الأولياء، وذلك بصفاء الأسرار ومدد الذكر، وهو كالغيم الرَّقيق الذي لا يدوم، وقد يُفْهم من هذا أنَّ الغيم نعمة جسيمة، وقد يعرض لعزتها عوارض تطرق إليها ضربًا من الفترة، فيستغفر الله لتعود كما كان وتزول فترتها.
وعن الخرَّاز أيضًا أنَّ الغين هو رؤية التقصير في الشكر والعبادة، والاستغفار: الخضوع وإبداء العجز عن القيام بواجب الحق.
والمنهج الثاني: حَمْل الغينِ على عارضٍ يطرأ وغيره أكمل وأليق به، فيبادر إلى الاستغفار إعراضًا وتبرءًا عنها، وعلى هذا كثرة التنزيلات والتعبيرات، وفي هذا القسم يقع أكثر ما أورده السُّلَمِيُّ:
فقيل: كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم.
وقيل: السبب ما كان يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق فيستغفر منه؛ ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى.
_________________
(١) رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٢) الفتح: ٢٦.
[ ١٩٨ ]
وقيل: السبب ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم.
وقيل: ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب والله يريد غيره.
وقيل: ما اطمأنَّ إلى أصحابه في بعض مغازيه بقوله: "لَنْ تُغْلَبُوا الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ".
وقيل: لم يزل رسول الله ﷺ مترقيًا من رتبةٍ إلى رتبةٍ فإذا انتهى إلى درجةٍ عاليةٍ والتفت في عروجه إلى الدرجة تحتها بمرتبة أو مراتب؛ وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منها، ويشكر الله تعالى على ما أعطاه من قوة الرقي، وهذا ما كان يستحسنه والدي ﵀ ويقرره، ويمثله بحال من انفتحت عينه في فنٍّ هو مشغول به فإنه إذا التفت إلى ما كان يتخيل ويتوهم في مبدأ الأمر استنكف منه وخجل.
وقوله: "مِائَةَ مَرَّةٍ" الظاهر أنه ليس على سبيل التقدير بل المقصود المبالغة في كثرة استغفاره، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^١).
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قال: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ الله ﷺ في المجلس الواحد مِائَةَ مَرَّةٍ قَبلَ أَن يَقُومَ أن يَقُولَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (^٢).
_________________
(١) التوبة: ٨٠.
(٢) رواه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، والنسائي في الكبري (١٠٢٩٢)، وابن ماجه (٣٨١٤)، وابن حبان (٩٢٧). قال الترمذي: حسن صحيح غريب.
[ ١٩٩ ]
ومن المعلوم أنه كان يتفق له في اليوم الواحد مجالس.
وفي الحديث نَدْبٌ ودعاءٌ إلى التَّوْبَةِ، وإلى الإكثار منها يومًا بيومٍ، وإذا كان الغَدرُ سَجِيَّةٌ ونكث العهد طبيعة في البشر كان الاحتياط للمتيقظ أن يكرر الاستغفار والتوبة كل يوم، فلا يكتفي بتوبة الأمس لما يعلم من العوارض الناقضة لها، ولا يؤخر التوبة إلى الغد حذرًا من أن يعوق عنها عائق، بل ينتهز الفرصة ساعة بعد ساعة.
وقد قال بعض البلغاء: أمس قد مات وأيس منه، وغدًا لم يولد ولعلك لا تشهد ولاده، واليوم الذي أنت فيه في النزع فبادر قبل أن يموت.
وكما أنَّ ذكر المائة جارٍ على التقريب فذكر اليوم كذلك، فلا يختص استحباب التوبة والاستغفار بالنهار، ألا ترى الله تعالى أثني على المستغفرين بالأسحار، وإذا داوم العبد على الذكر وهو لربه مراقب ولنفسه محاسب استنار قلبه فصار ليله كنهاره وسره كجهاره، وعلى ضده إذا استمرت الغفلة والإعراض ودام النكوص والانقباض، سال بصاحب الواقعة السيل، وصار نهاره مظلمًا كالليل، فلم يتوقع لليله صباح، ولا لارتجاج بابه انفتاح، ومدار الأمر نورًا وظلمة وأُنسًا ووحشة على أن يُقَرِّب الربُّ عبده ويجذبه رحمته، وبه يحصل التهذيب، أو يُبعده ويُبعد عنه حفظًا وعنايةً، ومنه يجيء التعذيب، وقد أجاد من قال: [بسيط]
والله مَا سَهَرِي إِلَّا لِبُعْدِهِمُ … وَلَوْ أَقَامُوا لَمَا عذِّبْتُ بِالسَّهَرِ
عَهْدِي بِهِمْ وَرِدَاءُ الْوَصْلِ يَشْمَلُنَا … وَاللَّيُلُ أَطْوَلُهُ كَاللَّمْحِ فِي البَصَرِ
وَالآنَ لَيلِيَ إِذْ ضنَّوا بِرُؤْيَتِهِمْ … لَيْلُ الضَّرِيرِ فَنَومِي غَيْرُ مُنْتَظَرِ (^١)
_________________
(١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٩١).
[ ٢٠٠ ]
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [طويل]
تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَنْ يَطُول بِحَسْرَةٍ … تَلَهُّفُ مَنْ يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ نَوْمُهُ
لَقَدْ نِمْتَ فِي لَيلِ الشَّبِيبَةِ غاَفِلًا … فَهُبَّ لِصُبْحِ الشَّيْبِ إذْ جَاءَ يَوْمُهُ (^١)
وَأَيْضًا في مَعْنَاهُ: [متقارب]
سَوَادُ الشَّبَابِ كَلَيْلٍ مَضَي … وَقَدْ نِمْتَ فِيهِ لَقىً غَافِلًا
وَصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِهْ … فَعَمَّا قَلِيلٍ تُرَى آفِلًا (^٢)
آخر المجلس الثاني عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا
* * * * *
_________________
(١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٩٢)، ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٣). وفي "طبقات الشافعية": "وقد" بدلًا من "لقد". وفيه: "عصر" بدلًا من "ليل". وفيه أيضًا: "نصيح" بدلًا من "لصبح".
(٢) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٣).
[ ٢٠١ ]