يُرَغَبُ فِي النِّكَاحِ لفوائده الدينية والدنيوية، والفوائد المتعلقة بمطلق النكاح تحصل بنكاح أية امرأة كانت، ثم نكاح المرأة المعينة يرغب فيه تارة لتعيّنها بحكم الحال، وتارة لأسباب تمتاز بها عن غيرها، فمن الدعاوي القوية الغالبة الحسن، وقد نهى الحديث عن تزوج المرأة لحسنها، وليس المراد النهي عن رعاية الجمال على الإطلاق؛ ألا ترى أنه يستحب النظر إلى المخطوبة ليكون النكاح عن موافقة الطبع، ولكنه محمول على أحد وجهين:
الأول: أن يكون مجرد القصد إلى الحسن ويكتفى به عن سائر الخصال ولا يبالي بها حصولًا وفواتًا.
والثاني: الحسن التام والجمال البارع؛ لأنه يخاف بسببه أمور محذورة:
منها: الإفراط في الدلال الذي يورث الوحشة ويبطل البلغة.
ومنها: بلوى المنازعة والأطماع الفاسدة، فالمشرب العذب مظنَّةُ الزَّحمة، وقال قائلهم:
[ ٢١٤ ]
وَلَنْ تُصَادِفَ مَرْعًى مُمْرَعًا أَبَدًا … إِلَّا وَجَدْتَ بِهِ آثَارَ مَأْكُولِ (^١)
ومنها: شدَّة الصبوة والميل، ولا يؤمن منها تولد أمور:
أحدها: أن تتحكم عليه وتلتمس منه ما يوقعه في مداخل السوء.
وثانيها: أن تنجرَّ به شدَّة الميل إلى الإغضاء في غير موضعه.
وثالثها: أنها تشغله عن صرف الأوقات إلى العبادات، أو عن استغراب القلب فيها بالله تعالى.
ويقال: إنَّ بعضهم رأى صيَّادًا يُكلَّم امرأة فقال له: يا صياد احذر أن تصاد.
ومن الدَّواعي الغالبة: المال، وإذا كان الداعي إلى النكاح تحصيل المال، والمال غادٍ ورائح، لم يوثق بدوام الألفة عند فناء المال سيما إذا قلَّ الوفاء، وقد قيل: من أَعْظَمَكَ لاستقلالك استَقَلَّك عند إقلالك.
وقوله: "وَتَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ" أي: على ابتغاء الدين أو للدين، وهذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، والدين ها هنا يمكن أن يحمل على الملة والتوحيد أي: ارغبوا عن نكاح الكتابيات فهو مكروه، والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة التي هي من مواجب الملة، وهذا ما يعنيه الفقهاء بقولهم: "إن الدين من خصال الكفاءة".
ونظمها الْبَنْدَنِيجِيُّ منهم فقال: [طويل]
نَسَبٌ وَدِينٌ ثُمَّ حُرٌّ وَصَنْعَةٌ … سَلَامَةُ عَيْبٍ وَالْيَسَارُ خِلَافِي
فَمَا تِيكهَا سِتُّ شُرُوطِ كَفَاءةٍ … شُرُوطُ ابْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو للأحنف بن قيس، انظر "المنتحل" (ص ٥٦)، "محاضرات الأدباء" (١/ ٤١١).
[ ٢١٥ ]
وَإِذَا كَانَ أَقْوَمُ الدَّوَاعِي الدِّينُ كَانَ العَقْدُ أَدْوَمُ وَعَاقِبَتُه أَحْمَدُ.
وقوله: "وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ" إلى آخره أي: أفضل من حرَّةٍ سليمة ليست ذات دين، فحذف لفهم المقصود، ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقًّا وخلقةً إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين، لأن الكرم التقوى، ويجوز أن يريد أنَّ تسريها أفضل من نكاح الحرة، أو أن نكاحها لمن له نكاح الأمة أكثر بركة.
وقوله في الرواية الأخرى: "تَرِبَتْ يَدَاكَ" قيل: هو دعاء (^١).
آخر المجلس الثالث عشر، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلم
* * * * *
_________________
(١) كذا جاء في النسختين لم يختم الرافعي المجلس بشعر له كعادته، إلا أنه ترك الناسخ في النسخة س موضع بياض بمقدار نصف لوحة ولم يذكر فيها: آخر المجلس إنها ذكر في النسخة د. والله تعالى أعلم.
[ ٢١٦ ]