قوله: "بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ" يشير إلى أنَّه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ؛ لحدَّة الذِّهن وصفاء الخاطر حينئذٍ.
وقوله: "ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ" يُبَيِّنُ حسنَ فكرهم ونظرهم، وتأثرَ قلوبهم بالموعظة البليغة حتى تصاعدت بخارات (^١) الأحزان والأفكار المقطرة للدموع.
قال أبو بكر الْآجُرِّيُّ: ولم يقل صرخنا من موعظته، ولا زعقنا، ولا زفنَّا، ولو كان ذلك محمودًا لكانوا أولى الناس به؛ لأنهم أرق قلوبًا، والرسول ﷺ أصدق الخلق موعظة وأنصح للأمة.
وقول الرجل: "هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ" كأنه جرى فيها ما يفهم التوديع إما من جهة اللفظ أو المبالغة في النُّصح والوعظ، ولما فهم ذلك أخذ بالحزم وبحث عمَّا يوصيهم به ليراعوه.
وقوله ﷺ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوى اللَّهِ" يدلُّ على أنَّ أهمَّ ما يحافظ عليه المؤمن التقوى؛ وذلك بأداء الفرائض واجتناب المحارم، ولا يتأتَّى ذلك إلا بالعلم، ثم أمرهم بالسمع والطاعة لمن يلي أمرهم كيف كان؛ لتتفق الكلمة ويجتمع الشمل.
قال الإمام أبو سليمان الخطابيُّ: وقوله: "وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا" يعني الذي
_________________
(١) كذا في س، د.
[ ٢٢٤ ]
ينصِّبه الإمام لا أن يكون الإمام عبدًا حبشيًّا، فالأئمة من قريش على أنه قد يضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يوجد كقوله ﷺ: "مَنْ بَنَى لِلَّه مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ له بَيْتًا في الجَنَّة" (^١) وفي ذلك القدر لا يصلح مسجدًا للناس (^٢).
وقد يُفْهَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِي أن قول الرَّجُلِ: "مَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ " كان بَحْثًا عَمَّنْ يلي الْأَمْرَ بَعْدَهُ فلم يُعَيِّنْهُ وَلَكِنْ قال: "مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ فَأَطِيعُوهُ".
وقوله: "مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا" عُدَّ من دلالات نُبُوَّتِهِ حيث عرف ما يكون بعده فأخبر عنه.
وقوله ﷺ: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ" تحذيرٌ عن الأخذ بالبدع واتباعها، وهي مردودةٌ على ما وردت به الأحاديث الصِّحاح.
قَرَأْتُ على الإمام أحمد بن إسماعيل، أَنَبَا أبو الْفُتُوحِ الزَّيْنَبِيُّ، ثَنَا أبو بكرٍ الْأَدِيبُ، أَنَبَا الحَاكِمُ أبو عبد الله، أَنَبَا أبو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، ثَنَا أبو الْمُوَجِّهِ، ثَنَا عَبْدَانُ، عن إبراهيم بن سَعْدٍ، عن أبيه، عن الْقَاسِمِ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (^٣).
وهذا في غالب ما يقع عليه اسم البدع والمحدثات، وقد تكون البدعة
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٧٣٨)، وابن خزيمة (١٢٩٢) من حديث جابر بن عبد الله، ورواه ابن حبان (١٦١٠، ١٦١١) من حديث أبي ذر.
(٢) "معالم السنن" (٤/ ٣٠٠).
(٣) لم أجده في "المستدرك". ورواه البغوي في "شرح السنة" (١/ ٩٨) من طريق الحاكم كما رواه من طريقه الرافعي. ورواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من طريق إبراهيم بن سعد.
[ ٢٢٥ ]
مستحسنة كما ورد في التراويح، قال عليٌّ: "هذه بدعة حسنة".
وكلّ مُحدث هو مستندٌ إلى أصلٍ من أصول الدين أو مقيسٌ به فليس بمردودٍ.
وقوله: "مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ" يعني: الاختلاف والمحدثات.
وقوله: "وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" المراد من الخلفاء الراشدين على ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله ﷺ ورضي عنهم.
واستدلَّ بالحديث على جواز إطلاق اسم السنة على طريقتهم كإطلاقه على طريقة النَّبِيِّ ﷺ، وعلى الفضيلة التامة لهم حيث سماهم خلفاء ووصفهم بكونهم راشدين، وعلى أنَّ الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى، وعلى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان عالمًا بأنَّهم الذين يلون الأمر بعده، وقد يستدلُّ به على أنَّ قولهم وطريقتهم حجةٌ مأخوذٌ بها؛ وذلك لأنَّ قوله: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم؛ لأنَّ سُنَّتَهُ وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها، فأشعر بأنَّ سُنَّتَهُم أيضًا كذلك.
وقوله: "عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ" ندبٌ إلى التَّمَسُّكِ الشَّديد كما يعضُّ الإنسان بأسنانه على الشيء احتياطًا وتحرزًا من أن يضيع، والعضُّ بالأضراس أبلغ في المنع من الانتزاع فإنَّ المأخوذ بمقاديم الأسنان أسهل تناولًا.
قال الخطابي: وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب من المضض عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسوله ﷺ، كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع (^١).
واعلم أنَّ اتباعَ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ جالبٌ لِمَحَبَّةِ الله تعالى على ما قال تعالى:
_________________
(١) "معالم السنن" (٤/ ٣٠١).
[ ٢٢٦ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).
وبالسمع والطاعة تحصل السلامة عن الفتن، والتحرز عن الآفات، وبتقوى الله تحصل النَّجاة في الدَّارين عن الهلكات، فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات.
وأنشد الحافظ عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف -وقد أجاز لنا غير واحد ممن أجاز لهم- قال قرأت على أبي محمد جعفر بن أحمد السراج قوله من كتابه:
[سريع]
يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِه … إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَحَهَا نَظْرَهْ
سِيقَ إِلَى الْخُلْدِ الَّذِينَ اتَّقَوا … تَتْبَعُ مِنْهُمْ زُمْرَةٌ زُمْرَهْ
وَسِيقَ لِلنَّارِ فَرِيقٌ عَصَوْا … خَالِقِهَمْ إِذْ خَالَفُوا أَمْرَهْ
ولله درُّ من قَصَرَ بصرَه ونظرَه على من ليس منه بدٌّ، ولا لحكمه ردٌّ، ولا ينفع منه جدٌّ، ولا يحويه قُطرٌ ولا حدٌّ، وقطع همه عما سواه، ولم يطلب إلا إياه.
حَدَّثَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي "أسامي الأولياء" عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ قَالَ: ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّفَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازِ، عَنْ خَلَفٍ الْبَزَّازِ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْبَانَ الرَّاعِي ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَّى ثَلَاثَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: مِنْكَ أَهْرَبُ، وَإِيَّاكَ أَطْلُبُ، وَلَيْسَ لِي مِنْكَ بُدٌّ.
_________________
(١) آل عمران: ٣١.
[ ٢٢٧ ]
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي هذه الرباعية:
مَا أَطْلُبُ مَا حَيِيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ … إِيَّاكَ وَإِنْ تَقْطَعْ عَنِّي رَيَّاكَ
رَيَّاكَ وَإِنْ بَلِيتُ تُحْيِي رِمَّتِي … حَيَّاكَ اللهُ مِنْ مُسَبِّحٍ حَيَّاكَ
آخر المجلس الرابع عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين
* * * * *
[ ٢٢٨ ]