الدُّعَاءُ عُقَيبِ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ، ويكره أن يثبَ المصلي من موضعه كما يسلِّم فيكون كالبعير المعقول يُحلّ أو المحبوس يطلق.
وفي الأدعية والأذكار المروية عن رسول الله ﷺ في أدبار الصلوات المكتوبة كثرة:
فَعَنْ رواية المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ ﵁ أنَّه ﷺ كان يَقُولُ: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الْمُلْكُ، وله الْحَمْدُ، وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، اللَّهُمَّ لا مانع لما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الْجَدِّ منك الْجَدُّ" (^١).
وَعَنْ رِوَايَةِ ثَوْبَانَ ﵁ "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا
_________________
(١) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).
[ ٢٣٨ ]
الجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (^١).
وعن رواية زَيْدِ بن أَرْقَمَ ﵁: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا ورب كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شريك لك، اللَّهُمَّ أنت رَبُّنَا وَرَبُّ كل شيء أنا شَهِيدٌ أن مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أن الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لك وَأَهْلِي في كُلِّ سَاعَةٍ في الدُّنْيَا والآخرة يا ذا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ" (^٢).
وعن رواية صُهَيْبٍ ﵁: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةً لي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ التي جعلت فيها مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ من نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بك منك لا مانع لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ" (^٣).
وعن رواية سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بك من البخْلِ، وأَعُوذُ بك من الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بك من فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بك من عَذَابِ الْقَبْرِ" (^٤).
وعن رواية مُسْلِمِ بن الحارث التَّمِيمِيِّ في دُبُرِ صلاة الصُّبْحِ والْمَغْرِبِ: "اللَّهُمَّ أَجِرْنيِ من النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم (٥٩١).
(٢) رواه أبو داود (١٥٠٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢٩).
(٣) رواه النسائي (٣/ ٧٣)، وابن خزيمة (٧٤٥)، وابن حبان (٢٠٢٦).
(٤) رواه البخاري (٦٣٧٠، ٦٣٧٤).
(٥) رواه أبو داود (٥٠٣٩)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٣٩)، وابن حبان (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٦٢٤).
[ ٢٣٩ ]
وَعَنْ رِوَايَةِ عائشة ﵂ "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ أَعْذْنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ" (^١).
وعن رواية أبي هُرَيْرَةَ ﵁ "سُبحانَ الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبرُ مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، وَتَمَامُ الْمِائَةِ لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له له الْمُلْكُ وله الْحَمْدُ وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (^٢).
ولو أوردنا أسانيد هذه الأذكار أو استوعبنا ما ورد في هذا الباب لَأَطَلْنَا، ولم يكن رسول الله ﷺ يجمع بينها جميعًا، ولكن كان يأتي بهذا وقتًا وبهذا وقتًا، واتباعه في الجميع حسنٌ، وحسنٌ أن يختار منها ما يليق بالوقت.
وفي قوله: "بِصَوْتِهِ الأَعْلَى" بيان أنه يستحب للإمام رفع الصوت بالدعاء ليسمع القوم فيتنبَّهوا ويوافقوه فتجتمع الهمم ويزداد رجاء الإجابة، وليُحمل قوله: "بِصَوْتِهِ الأَعْلَى" على العلى أو على الأعلى مما كان يأتي به، فالإسراف في رفع الصوت مكروهٌ خاصة عند الدعاء.
وقوله: "لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ" أي: لا نخضع إلا له، ولا نطيع أو لا نوحِّد إلا إياه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (^٣).
"وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ" يُمكن حمله على الثَّنَاءِ البليغ في اللَّفظ والكامل في المعنى، وعلى الثَّنَاءِ الكثير، وعلى الثَّنَاءِ الصَّادر عن الإخلاص وحضور القلب، والمعنى: أنه مستحق لذلك.
_________________
(١) رواه النسائي (٣/ ٨٢).
(٢) رواه "مسلم" (١/ ٤١٨، ٥٩٧/ ١٤٦).
(٣) الفاتحة: ٥.
[ ٢٤٠ ]
وقوله: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أي نقول: لا إله إلا الله مخلصين، والدِّينُ يصحُّ حمله على الملة وعلى الطاعة وغيرها.
واعلم أنَّ الكلمات المذكورة تشتمل على التوحيد ونفي الشركة، وعلى تخصيص الملك والحمد به، وعلى وصفه بالقدرة على الممكنات، وعلى التبرؤ من الحول والقوة، والاعتراف بأنَّ الكلَّ بتيسير الله وتقديره، وعلى تخصيصه بالخضوع والطاعة له، وعلى الإقرار بالنِّعمة الأخروية والفضل في الدنيا منه، وعلى أنه المستحق للشكر والثَّناء، وعلى إظهار الإخلاص في جميع ذلك على مراغمة الكافرين والجاحدين، وصاحب الكلمات إذا لم يأت بها عن قلبٍ لاهٍ ووافق قوله حاله وَرَّثه هذا الذِّكْرُ السُّكون والطمأنينة وصار من الذين تطمئنُّ قلوبهم بذكر الله وتستأنس، فالمحبُّ يستأنس بأن يُذكر له محبوبه أو يُذكر بين يديه، كان قيسٌ المجنون إذا ذُكِرت له ليلى سكن وانتظم كلامه، وإذا سئل عن غيرها اضطرب وخُولط في عقله، ثم إذا استحكمت المحبة ارتفعت المباينة، وسقطت المفارقة، وقام المحبُّ بصفات المحبوب، وفني عن صفات نفسه.
يروى أن قيسًا سئل: أتحب ليلى؟
فقال: لا. قيل: ولم؟
قال: لأنَّ المحبَّةَ ذريعة الْوُصْلَةِ، وقد حَصَلَتِ الْوُصْلَهُ، وسقطت الذَّريعةُ، فأنا ليلى وليلى أنا، وأنشد له: [كامل]
وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِهَا مِنْ أَجْلِهَا … كَيْ مَا تَكُونَ خَصِيمَتِي في الْمَحْشَرِ
حَتَّى يَطُولَ عَلَى الصِّرَاطِ وَقُوفُنَا … فَتَلذُّ عَينِي مِنْ فُنُونِ الْمَنْظَرِ
ثُمَّ ارْتَجَعْتُ فَقُلْتُ رُوحِي رُوحُهَا … فَإِذَا هَمَمْتُ بقِتْلِهَا لَمْ أَقْدِرِ
[ ٢٤١ ]
وإذا حَصَلَتِ الْوُصْلَةُ استمرَّ ذكرُ القلب ومناجاته وإن عجز اللسان وانقطعت عباراته، ودامت العبادة وأنوارها وإن فترت الحواس وظهرت آثارها، وفي مثل ذلك يقال: نوم العالم عبادة، وآية ذلك أن يعود إلى الذِّكر والعبادة وينشط له على عادته المعتادة، إذا ارتفع الكلال وحصل الاستقلال، فيقول كُلَّما انتبهَ: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، ثم لا يزال ذاكرًا وحامدًا وشاكرًا.
وقد ورد أنَّ أولَّ من يدخل الجنَّةَ الحمَّادون اللهَ على كلِّ حالٍ (^١).
وَقُلْتُ مُنْذُ مُدَّةٍ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذي بِتَعَالِيهِ أَشْهَدُ … اللهُ مَنْ بِرَحْمَتِهِ الْعَبْدُ يَسْعَدُ
رَبُّ الْأَنَامِ مَالِكُهُمْ يَومَ دِيْنِهِمْ … إِيَّاهُ نَسْتَعِينُ وَإيَّاهُ نَعْبُدُ
رَبِّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ صِرَاطَ الَّذِيَن هُمْ … رُبُّوا بِنِعَمِهِ وَعَلَى الْحَقِّ سُدِّدُوا
غَير الَّذِين غَضَبتُكَ اسْتَدْرَجَتْهُمْ … وَالْفِرْقَةِ الَّتِي بِضَلَالَاتِهَا رَدُوا
آخر المجلس الخامس عشر بمنه وفضله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمدٍ وآله وصحبه وسلم
* * * * *
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ٥٠٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٦٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "أول من يدعي إلى الجنة الذين يحمدون الله في السراء والضراء". وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٦٣٢).
[ ٢٤٢ ]