من الأصحاب من يقول: الاسم: المسمى، وقد يرد بمعنى التسمية مجازًا.
وقال الأستاذ أبو منصور الأيوبيُّ الأشعريُّ (^٤): إنه مشترك موضوع لهما، وَمَثَلُ وروده بمعنى المُسَمَّى فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٥) فالمُسَبَّح: الرَّبُّ لا غيره، ووروده بمعنى التَّسْمِيَة فقوله ﷺ: "لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا".
وقالوا: العدد راجع إلى التَّسميات والله تعالى واحد.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٠).
(٢) رواه مسلم (٨٢٢) ضمن حديث عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف … الحديث.
(٣) المزمل: ٢٠.
(٤) هو محمد بن الحسن بن أبي أيوب الأستاذ المتكلم النيسابوري، إمام باهر ذكي. انظر "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٥٧٣).
(٥) الأعلى: ١.
[ ٤٩ ]
وقيل: "الاسم" اللَّفْظُ الدَّالّ على المُسَمَّي.
والأسماء التسعة والتسعون مجملة في هذه الرواية، وقد وردت مفصلة بطرق أشهرها وأكثرها دورانًا على الألسنة:
ما رواه الإمام أبو عيسى في "جامعه" (^١) فقال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بن صالح، ثَنَا الوليد بن مُسْلِمٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بن أبي حَمْزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غير واحد من أَحْصَاهَا دَخَلَ الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٥٠٧). قال الترمذي: هذا حديث غريب حدثَنَا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولا نعلم في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذِكْرَ الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روي آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح. قال ابن حزم في "المحلى" (٨/ ٣١): جاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، وهي مضطربة لا يصح منها شيء أصلًا؛ فإنما تؤخذ من نص القرآن. وقال الصنعاني في "سبل السلام" (٤/ ١٠٨): والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة، فقد اتفق الحفاظ من أئمة الحديث على أن سردها إدراج من بعض الرواة. وضعفه الألباني بسرد الأسماء في "ضعيف الجامع" (١٩٤٥).
[ ٥٠ ]
الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ المُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْمَاجِدُ الْوَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِيَ المُتَعَالِي الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّءُوفُ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الْهَادِي الْبَدِيعُ الْبَاقِي الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ".
أَخْبَرَنَا غير واحد عن أبي الْفَتْحِ الْكَرُّوخِيِّ (^١)، عن أبي عَامِرٍ (^٢)، عن أبي مُحَمَّدٍ (^٣)، عن أبي الْعَبَّاسِ (^٤)، عن أبي عِيسَى وقال: لا نعرفه إلَّا من حديث صفوان وهو ثقةٌ.
وقد بُنِيَتْ على هذه الأسامي بهذا الترتيب كتب كـ "التحبير" للأستاذ أبي القاسم القشيري، و"المقصد الأسني" للإمام أبي حامد الغزالي وغيرهما.
والثاني أورده الحافظ محمد بن يزيد القزويني في "سننه" (^٥) فقال: ثَنَا هشام بن عَمَّارٍ، ثَنَا عبد المَلِكِ بن مُحَمَّدٍ، ثَنَا زُهَيْرُ بن مُحَمَّدٍ، ثنا مُوسَى بن عُقْبَةَ، ثَنَا الْأَعْرَجُ، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا من حَفِظَهَا دَخَلَ الجنة الله الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْأَوَّلُ الآخر الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ
_________________
(١) هو عبد الملك بن أبي القاسم، انظر ترجمته في المجلس الثالث.
(٢) هو محمود بن القاسم الأزدي، انظر ترجمته في المجلس الثالث.
(٣) هو عبد الجبار بن محمد الْجَرَّاحِيُّ، انظر ترجمته في المجلس الثالث.
(٤) هو محمد بن أحمد بن محبوب الْمَحْبُوبِيُّ، انظر ترجمته في المجلس الثالث.
(٥) "سنن ابن ماجه" (٣٨٦١). وهو ضعيف بسرد الأسماء كما سبق.
[ ٥١ ]
المُصَوِّرُ المَلِكُ الْحَقُّ السلام المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَلِيمُ الْعَظِيمُ الْبَارُّ (^١) الْمُتْعَالِي الْجَلِيلُ الْجَمِيلُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ الْغَنِيُّ الْوَهَّابُ الْوَدُودُ الشَّكُورُ الْمَاجِدُ الْوَاجِدُ الْوَالِي الرَّاشِدُ (الْعَفُوُّ الْغَفُورُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ التَّوَّابُ الرَّبُّ الْمَجِيدُ) (^٢) الْوَلِيُّ الشَّهِيدُ الْمُبِينُ الْبُرْهَانُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ الْقَوِيُّ (الشَّدِيدُ) (^٣) الضَّارُّ النَّافِعُ الْبَاقِي الْوَاقِي (^٤) الْخَافِضُ (^٥) الرَّافِعُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ الْمُقْسِطُ الرَّزَّاقُ (^٦) ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الْقَائِمُ الدَّائِمُ الْحَافِظُ الْوَكِيلُ الْفَاطِرُ (^٧) السَّامِعُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْجَامِعُ الْهَادِي الْكَافِي الْأَبَدُ الْعَالِمُ الصَّادِقُ النُّورُ الْمُنِيرُ التَّامُّ الْقَدِيمُ الْوِتْرُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ".
ثَنَا والدي، عن أبي بكر بن عَلِيٍّ، عن أبي مَنْصُورٍ، عن أبي طَلْحَةَ، عن أبي (الْحَسَنِ) (^٨) عَنْ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ "السنن".
قوله: "الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" كالتفسير للصمد أو التابع له.
_________________
(١) في د: الوالي. وفي س: الباري، والمثبت من السنن.
(٢) سقط من س، د. والمثبت من السنن.
(٣) سقط من د، س. والمثبت من السنن.
(٤) في س: الوافي. والمثبت من د، السنن.
(٥) في س: الحافظ، والمثبت من د، السنن.
(٦) في س: الرزاق. والمثبت من د، السنن.
(٧) في س، د: الناظر. والمثبت من السنن.
(٨) في س، د: الحسين. وهو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، ترجمته في المجلس الثالث عشر.
[ ٥٢ ]
والصمد تكرر (^١) في الرواية والرحيم كذلك؛ فهو في أحد الموضعين تابع، ويمكن أن يكون المنير تفسيرًا للنور غير معدودٍ لنفسه، وأن يكون المتين صفة للقوة لا اسمًا آخر.
والثالث: روى عبد العزيز بن الْحُصَيْنِ بن التَّرْجُمَانِ، عن أَيُّوبَ وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَةَ عن رسول الله ﷺ الأسماء التسعة والتسعين مُفَصَّلَةً على ترتيبٍ آخر، وفيها تبديل بعض الأسماء ببعض، ومما ذكر فيها: ذو المعارج، وذو الفضل، والخلاق، والكفيل، والمولى، والنصير، والقديم، والفاطر، والوفي، وغيرها (^٢).
وفي هذه الطّرقِ اختلافٌ في أعيان الأسماء وفي التقديم والتأخير، ولاختلافها ذهب ذاهبون إلى أنه ليس المقصود تسعة وتسعين اسمًا بأعيانها؛ بل الغرض أن يستخرج المتأمل بنظره تسعة وتسعين اسمًا من الكتاب والسنة، وقد يميل كلام الحاكم الْحَلِيمِيِّ والحافظ الْبَيْهَقِيِّ إلى هذا، ويتوجه عليه أن يقال: قوله: "أَحْصَاهَا" أي: استوفي هذا العدد ملتقطًا من الكتاب والسنة.
وقد يسبقُ إلى الفهم من لفظ الخبر انحصار أسماء الله تعالى في تسعة وتسعين، لأنَّ تخصيص هذا العدد بالذكر إنَّما يحسن إذا انحصرت الأسماء فيه، ألا ترى أنَّ من يملك ألفًا لا يحسن أن يقال: له تسعة وتسعون مثلًا، لكن أسماءه لا تنحصر
_________________
(١) في س: مكرر. والمثبت من د.
(٢) رواه الحاكم من طريقه (١/ ٦٣). وعبد العزيز بن الحصين: قال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين. انظر "لسان الميزان" (٤/ ٢٨).
[ ٥٣ ]
فيه.
ويدلّ عليه دعاءُ رَسُول الله ﷺ: "أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك أو أَنْزَلْتَهُ في كتابك أو عَلَّمْتَهُ أَحَدًا من خَلْقِكَ أو اسْتَأْثَرْتَ به في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ … " (^١).
فقال العلماءُ: قوله: "لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا" مع قوله: "مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" قضية واحدة لا قضيتان، وهو كقول القائل: "لفلان مائة درهم أعدها للصدقة" ولا يقتضي أن لا يكون له دراهم غيرها.
وأما تخصيص التسعة والتسعين؛ فقد ذكر الإمام الغزالي فيه احتمالين:
أحدهما: أنَّ المعاني الشَّريفة الدَّالة على الكمال والعظمة بلغت هذا المبلغ اتفاقًا، كما أنَّ الصفات عند أهل الحقِّ سبع أو ثمان؛ لأنَّ دلالة الدليل عليها وافقت هذا العدد لا أنَّ المقصد العدد.
والثاني: ما أشار إليه في آخر الخبر وهو أنه وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فسمَّى نفسه بتسعةٍ وتسعين اسمًا شرَّفها ولم يكملها مائة رعاية للإيتار.
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١)، وابن حبان (٩٧٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩) من طريق أبي سلمة الجهني، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن. قلت: قال الحافظ في "لسان الميزان" (٧/ ٥٦): أبو سلمة الجهني حدث عنه فضيل بن مرزوق لا يدري من هو انتهى. وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج حديثه في "صحيحه" وأحمد في "مسنده" والحاكم في "مستدركهـ" وتعقبه الذهبي بما ذكره هنا فقط، وقرأت بخط ابن عبد الهادي يحتمل أن يكون هو خالد بن سلمة وفيه نظر لأنَّ خالد بن سلمة مخزومي وهذا جهني. والحق أنه مجهول الحال، وابن حبان يذكر أمثاله في "الثقات" ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر. أهـ.
[ ٥٤ ]
وذكر بعضهم أنَّ الأسماءَ التسعة والتسعين مفاتيح خزائن الرحمة المدخرة للمؤمنين في الآخرة من مائة رحمةٍ لله تعالى، قسم منها واحدة بين خلقه في الأرض بها يتعاطفون ويتراحمون فجعل العدد وفق العدد.
وقوله: "مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا" بعد قوله: "تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ" توكيدٌ للعدد المذكور لئلَّا يتوهم أنه على التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين.